ناقش الباحث جمال بن حدو، بتاريخ 30 دجنبر 2025، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بعنوان “الفضاء العمومي الرقمي والتنمية السياسية بالمغرب : دراسة ميدانية ونقدية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت “، وذلك بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، وأمام لجنة علمية تشكلت من الأساتذة:
ذ.سعيد خمري أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –المحمدية- رئيسا ومقررا
ذ. عبد الرزاق العاصير أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –المحمدية- مشرفا وعضوا
ذ. عبد الرحيم العماري أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –المحمدية- مقررا وعضوا
ذ. عبد العزيز برضوان الإدريسي أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –المحمدية- مقررا وعضوا
ذ. عبد الرحيم العلام أستاذ محاضر مؤهل بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –مراكش- مقررا وعضوا
وبعد المداولة قررت اللجنة العلمية قبول الأطروحة بميزة مشرف جدا مع توصية بالطبع.
وفيما يلي تقرير مفصل عن هذه الأطروحة.
- السياق
لا يمكن للمهتم بالفضاء العمومي إلا أن يلحظ التحولات المتسارعة التي طرأت على شكل التواصل السياسي في العقدين الأخيرين، فبعد سنوات من عزوف الجماهير عن الشأن السياسي، أخذنا نشهد مؤخرا اهتماما متزايدا بالشأن العام، ضخمته وسائل التواصل الاجتماعي ليأخذ أبعادا غير مسبوقة، فكان الفضاء الرقمي، منذ مطلع هذه الألفية، مقر ومنطلق مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، اتخذت شكل احتجاجات، طالت العديد من دول العالم بشكل لم نعهده من قبل؛ ولم يشكل المغرب استثناء، فكانت وسائل التواصل الاجتماعي أداة وفضاء العديد من الحركات الاحتجاجية، من بينها حركة “20 فبراير” سنة 2011 واحتجاجات “أساتذة التعاقد” و”حراك الريف” سنة 2016، وحملة “مقاطعون” سنة 2018…
- الإشكالية:
أوحى السياق السابق بتشكل فضاء عمومي رقمي على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما حاولت هذه الأطروحة إثباته بالبحث عن المحددات العامة للفضاء العمومي الهابرماسي النموذجي عليها، باعتباره الباراديغم المهيمن في دراسات الفضاء العمومي، فتم الانطلاق من الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي من أن تمكن المغاربة من إنشاء فضاء عمومي رقمي متفرد يتماشى والمحددات العامة للمعنى الهابرماسي للفضاء العمومي؟
ويترتب عن الإشكالية السابقة الأسئلة الفرعية التالية:
- هل تنطبق على مواقع التواصل الاجتماعي المحددات التي وضعها هابرماس لتعريف الفضاء العمومي؟
- هل يحتاج النموذج الهابرماسي ومفاهيمه النظرية إلى التجديد بعد هذا البعد الجديد الذي أتت به مواقع التواصل الاجتماعي؟
- هل ستستولي مواقع التواصل الاجتماعي على دور الفضاءات العمومية التقليدية من جرائد وأحزاب وإذاعات عامة وخاصة… في ظل هيمنتها على النقاشات العمومية مسهمة بذلك في التنمية السياسية بالبلد؟
- كيف ستتعامل الدولة مع هذا الفضاء الجديد؟ هل ستحاول الهيمنة عليه أم ستجد فيه الفضاء المفقود والوسيط بينها وبين المجتمع المدني، فتنظمه وتؤطره لأجل مزيد التنمية السياسية والتواصل السياسي الحقيقي؟
- أهمية الموضوع
تتجلى الأهمية النظرية للموضوع في قراءة البراديغم الهابرماسي للفضاء العمومي قراءة جديدة في ضوء التحولات الرقمية، كما أنه يكتسي أهمية عملية من خلال بحث التحولات التي تطرأ على “الفضاء العمومي” المغربي في ظل الثورة الرقمية واستكشاف الأدوار التي يمكن أن تلعبها الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في دفع مختلف الفاعلين فيه نحو التنمية السياسية المنشودة.
- الفرضيات
للإجابة عن الإشكالية والأسئلة المتفرعة عنها، انطلقت الأطروحة من فرضية عامة مفادها أن مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب تشكل فضاءً عموميًا بالمعنى الهابرماسي، ويترتب عن هذه الفرضية العامة فرضيتان إجرائيتان:
- تتحقق على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب الشروط الهابرماسية الأربعة المميزة للجمهور، أي: قدرة كل المواطنين المتوازية على تلقي الآراء والتعبير عنها، وتمكين نظام التواصل من إجابة لحظية وفعلية عن كل رأي معبر عنه، ثم عدم تدخل السلطة في كنف الجمهور؛ وأخيرا الانتهاء إلى فعل عملي واقعي.
- تتوفر في النقاشات التي تتم على مواقع التواصل الاجتماعي مبادئ “النقاش العمومي” و”أخلاقيات النقاش” التي أجملها هابرماس في ما يسميه «موقف التخاطب المثالي»، وهي: العقلانية، والصدق، وتساوي أدوار المشاركين في الحوار وامتلاكهم فرصا متماثلة، ثم الحرية في طرح الأفكار.
- الإطار الأبستيمولوجي والمنهجي
للإجابة عن أسئلة الإشكالية، وعلى خطى هابرماس، تبنت الأطروحة مقاربة أبستمولوجية تنهل من “البنائية” و”النظرية النقدية”، فالفضاء العمومي، موضوع هذه الدراسة، وقد هيمن عليه التواصل الرقمي ليس بنية ثابتة أو معطًى مسبقًا، بل هو فضاء مبني اجتماعيًا من خلال التواصل والتفاعلات الخطابية بين فاعلين متعددين: الأفراد، مؤسسات الدولة، الصحافة، “المؤثرون”… ولا يفهم هذا الفضاء إلا من خلال تحليل ديناميكيات القوة والتفاوض بين الفاعلين فيه.
انعكس هذا التوجه الأبستمولوجي على منهجية الاشتغال المعتمدة، فتم تتبع جينيالوجيا نشأة وتطور الفضاء العمومي المغربي، من خلال التنقيب في الوثائق التاريخية المهتمة بالتطور السياسي والفكري للمجتمع المغربي عن الأبعاد المشكلة لهذا الفضاء؛ قبل أن تدرس بنيته وقد طغى عليه التواصل الشبكي، فبالاستناد إلى نموذج صفحة جريدة هسبريس الإلكترونية على فيسبوك إبان حملة المقاطعة الاقتصادية لبعض المنتوجات في السوق المغربية سنة 2018، تم البحث عن حضور الشروط الإمبريقية المميزة للجمهور، وعن حضور “أخلاقيات النقاش” على 14 منشور و 5255 تعليق، ثم تمت مقارنة النتائج بدراسة مشابهة قام بها باحثون إسبان على جرائد إلكترونية عالمية، كما تم استقصاء أدوار أهم الفاعلين على هذه المواقع بالاعتماد على عدد من التقارير الدولية، على رأسها تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وكذلك على استبانة موجهة إلى عينة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب تشكلت من 1093 فرد.
- الفصول
أثمر الاشتغال ضمن الإطار الأبستيمولوجي السابق ووفق المنهجية السابقة خمسة فصول، عرض الأول منها لنموذج الفضاء العمومي كما بناه هابرماس سوسيولوجيا وفلسفيا، كما تعرض للتحولات التي طفق يعرفها هذا الفضاء بعد الثورة الرقمية. أما الفصل الثاني فبحث في نشأة وتطور الفضاء العمومي المغربي ليخلص إلى أن المغرب لم يعرف فضاء عموميا إلا عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بعد أن احتك المغاربة بدول مشرقية وأخرى غربية استعمارية، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال الجرائد والمجلات والمطبوعات والبعثات، ليحدث لديهم تغير في الأطر الفكرية وفي النظرة لعلاقة المجتمع بالسلطة والسلطان، وليتم الانتقال من “الوقائعية” إلى “الصلاحية”.
كان هذا المرور من “الوقائعية” إلى “الصلاحية” انتقالا إلى دولة المؤسسات التي نعرفها اليوم، لكن غاب عن لحظة العبور هاته مكون أساسي من مكونات الفضاء العمومي هو مفهوم “الذاتية”، وقد فسر الفصل الثاني غياب “الذاتية” بتشكل الفضاء العمومي المغربي في ظروف توتر اجتماعي وسياسي مطبوع بالدفاع عن الوطن، والاستعداد لمواجهة المستعمر، والانصراف عن الذات عوض الانهمام بها، بينما تشكل الفضاء العمومي البرجوازي في ظروف رخاء واستقرار شجعت على الانهمام بالذات وحقوقها وكمالاتها.
انعكس منطق المواجهة الذي نشأ فيه الفضاء العمومي المغربي على الفاعلين فيه حتى بعد رحيل المستعمر، فتبنت الأحزاب المغربية علاقات صراع فيما بينها وبينها وبين المؤسسة الملكية، وانعكس هذا الصراع على مؤسسات المجتمع المدني والصحافة التي تم إلحاقها به، فساد خطاب إقصائي يبغي القضاء على الآخر عوض الحوار معه، ما ساعد المؤسسة الملكية على تحييد باقي القوى شيئا فشيئا حتى استقر لها الأمر منذ ثمانينيات القرن الماضي.
أثبت الفصل الثالث من خلال دراسة البنية التواصلية لصفحة جريدة هسبريس على فيسبوك وشكل النقاشات عليها، كنموذج عن مواقع التواصل الاجتماعي، أن الثورة الرقمية أحيت الفضاء العمومي المغربي، حيث مكنت هذه المواقع من تشكيل “جمهور” كما أن التواصل عليها اقترب من” الوضعية المثالية للكلام” الهابرماسية، وإن كان هناك تباين في حضور الأبعاد التواصلية المميزة لهذه الوضعية، إذ بين تحليل النقاشات على هذه المواقع غياب الانطلاق من “الذاتية” في النقاش، فكان بعد احترام الآخر الأقل حضورا من بين كل الأبعاد الأخرى، خاصة لما كان هذا الآخر مدافعا ومنافحا عن الدولة ومؤسساتها ونخبها، ليكون هذا الغياب حجر عثرة الفضاء العمومي الرقمي كما كان حجر عثرة الفضاء العمومي المادي.
انطلق الفصل الرابع من تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي انضم المغرب للعديد من برامجها منذ سنة 2013، وكذلك من صفحات عدد من المؤسسات المغربية على مواقع التواصل الاجتماعي، لبحث مدى استثمار الدولة ومؤسساتها للإمكانيات التواصلية الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي في تعميق التواصل مع المجتمع وتقوية عني المواطنين بالشأن العام وإشراكهم في صياغة السياسات العمومية، ليتبين أن تلك المؤسسات مازالت بعيدة عن هذا التطلع، وأن توظيفها لوسائل التواصل الاجتماعي يقتصر على الإخبار والإعلام وتبسيط المساطر الإدارية.
بعد بحث أدوار الصحافة والدولة والأفراد في الفضاء العمومي الرقمي، عمل الفصل الخامس على دراسة أدوار فاعلين جدد برزوا على هذا الفضاء خلال العقدين الأخيرين هم المؤثرون، ليتضح أنهم يساهمون بنصيب كبير في صناعة الرأي العمومي المغربي، وإن لم يكن بشكل مباشر انطلاقا من مواقفهم وآرائهم، وإنما انطلاقا من دور “مراقبي المعابر” الذي يقومون به ومن النقاشات التي تتأسس على صفحاتهم، بالمقابل تأكد مرة أخرى من خلال العمل الميداني لهذا الفصل أن الإعلام الرسمي المكتوب والمسموع والمرئي بعيد عن تأطير النقاش العمومي أو توجيهه أو تجويده.
انتهت هذه الأطروحة إلى تأكيد فرضيات الانطلاق، فمواقع التواصل الاجتماعي آخذة في التحول إلى فضاء عمومي رقمي، مانحة بذلك فرصة لإحياء الفضاء العمومي الذي تراجعت مؤسساته التقليدية عن أدوارها التنويرية؛ في المقابل هناك تباين بين الفاعلين في اغتنام هذه اللحظة المفصلية، حيث اتضح أن الأفراد والخواص أكثر رغبة وأكثر توقا لفضاء الحرية الجديد هذا، بينما مازالت الدولة ومؤسساتها بعيدة عن استثمار الإمكانات التواصلية والديمقراطية الهائلة التي يحبل بها.
- النتائج
أكدت الأطروحة استحالة قيام فضاء عمومي مغربي إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، إذ غابت الشروط الإمبريقية الهابرماسية لتشكل الجمهور وبالتالي لتشكل الفضاء العمومي، كما بينت بالارتكاز على مفهومي “الصلاحية” و”الوقائعية” الهابرماسيين أنه لم تتوفر للمجتمع المغربي، إلى حدود الفترة السابقة، الأطر الفكرية لمناقشة هيمنة الدولة والتي دونها لا يمكن الحديث عن فضاء عمومي، بما أن الإطار الفكري الموحد والوحيد كان ذاك الذي فرضته مؤسسة العلماء المقربة من السلطان.
كان مفهوم “الذاتية” مركزيا في هذه الأطروحة، فلم يفسر، فقط، نشأة الفضاء العمومي المغربي على أساس السلطوية، بل بين أن جذور هذه السلطوية تعود لغياب مفهوم “الذاتية” عند تشكل الفضاء العمومي المغربي، هذا المفهوم الذي كان أساس تشكل الفضاء العمومي الأدبي ثم الفضاء العمومي السياسي في أوروبا، وهو ذات المفهوم الذي استوحاه روبرت بتنام من دو طوكفيل ليثبت أن الديمقراطية ترتبط أكثر ب”الجماعة المدنية” منها بالمؤسسات التي تشكل “المجتمع المدني”. ألقى ذات المفهوم الضوء على ضعف بعد احترام الآخر في النقاش العمومي على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، حيث تبين أن الرأسمال الاجتماعي للتجسير والذي يقوم على مفهوم “الذاتية” بالأساس هو ما يعوز المجتمع المغربي في مقابل قوة رأسمال اللحمة الاجتماعية، ما يضعف “الرأسمال الاجتماعي” ككل بالنظر لعدم التوازن بين الرأسمالين.
أثبت الشق الميداني العملي لهذه الأطروحة، بالمقابل، أن مواقع التواصل الاجتماعي تشكل فضاء عموميا بالمعنى الهابرماسي، إذ تبين أن هذه المواقع تسمح بتشكل جمهور، وأن النقاش بين أفراد هذا الجمهور على هذه المواقع يسير على طريق “أخلاقيات النقاش” و”الوضعية المثالية للكلام” الهابرماسية وإن عازته عدد من الأبعاد، خاصة تلك المنبثقة عن مفهوم “الذاتية”.
بالموازاة مع ذلك، دعمت البيانات التي وفرتها الاستبانة، بخصوص المغرب، الظاهرة العالمية المتمثلة في عزوف المواطنين عن الفضاءات العمومية التقليدية، فقد أقرت النسبة الكبرى من المستجيبين أنها لا تتابع قضايا الشأن العام على قنوات الفضاء العمومي التقليدية، وعزت هذا العزوف بالأساس إلى ضيق هامش الحرية الذي يمنحه الفضاء العمومي التقليدي خلال مناقشة قضايا الشأن العام في مقابل هامش الحرية الأكبر الذي تناقش من خلاله القضايا في الفضاء العمومي الرقمي.
كشفت هذه الأطروحة أيضا، وبقوة، عن مركزية النقاش لدى المواطنين المغاربة، فلم يكن هجرهم للفضاء العمومي التقليدي دليلا على قطع جسور التواصل أو ابتعاداً عن الشأن العام، فجلهم ما زال يعتمد النقاش أداة أساسية للتواصل مع الآخرين ومع المؤسسات على الفضاء العمومي الرقمي، الأمر الذي تأكد من خلال دراسة التواصل على صفحة جريدة هيسبريس على فيسبوك خلال حملة المقاطعة الاقتصادية لسنة 2018، أو من خلال ارتكاز المواطنين المغاربة على إقناع الآخرين كأداة أساسية للفعل السياسي، كما وضحت الاستبانة ذلك، وكذلك من خلال استغلالهم لصفحات المؤسسات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي لطرح قضايا الشأن العام للنقاش أو للاحتجاج على هذه المؤسسات. في نفس هذا السياق، وعكس توجه المواطنين، بينت الأطروحة من خلال دراسة بعض الصفحات الرسمية لعدد من المؤسسات الوطنية ومن خلال الاعتماد على تقارير عدد من المنظمات الدولية، أن الدولة ومؤسساتها بعيدة عن استثمار مواقع التواصل الاجتماعي لردم الهوة التواصلية بينها وبين المجتمع، مهدرة بذلك فرصة عظيمة للتنمية السياسية أتى بها البعد التواصلي للثورة الرقمية.
إلا أن هذا النموذج الحالي للفضاء العمومي القائم على مواقع التواصل الاجتماعي، يختلف عن النموذج الأول للفضاء العمومي في شكله البرجوازي، والاختلاف بينهما قائم بالأساس على الدور الذي تلعبه الصحافة، ففي النموذج الأول لعبت الصحافة دور “حراس المعابر” بالمعنى الإيجابي أي دور تركيز النظر والاهتمام نحو قضايا الشأن العام وتأطير النقاش حولها، بينما في النموذج الثاني وقد هيمن التواصل الرقمي اختفى دور “حراس المعابر”. وقابل هذا الاختفاء صعود دور آخر هو دور “مراقبي المعابر”، ويَطَّلع به أفراد يطرحون للنقاش القضايا التي تعجز الصحافة التقليدية عن طرحها لهامش الحرية الضيق الذي تشتغل فيه اليوم، وكذلك لأن أدوار التأطير التي كانت تقوم بها الصحافة في السابق، يقوم بها اليوم، إلى جانب عدد قليل من الصحف الإلكترونية ذات الخط التحريري الملتزم، مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي من بينهم خبراء وأكاديميون وصحفيون.
شكلت الأدوار التي يلعبها المؤثرون في الفضاء العمومي الرقمي هاجسا بحثيا بالنسبة لهذه الأطروحة، فتم تخصيص الفصل الخامس منها لكشف هذه الأدوار، ليتبين تأثيرهم الكبير على الفضاء العمومي والرأي العام، وأثمر الاشتغال في هذا الفصل، وفي إطار السجال بين نظريتي “التأثيرات المباشرة” والتأثيرات المحدودة”، عن تحول في أركان نظرية “دفق الإعلام في مرحلتين” لبول لازارسفيلد وإيليو كاتز، ونجم هذا التحول عن خفوت دور الإعلام التقليدي المكتوب والسمعي البصري وصعود أدوار المؤثرين على الفضاء الرقمي، ليحدث تحول في الشيمة التي فسرت “التأثير” لدى الباحثين السابقين، فتم الانتقال من طرح وسائل الإعلام التقليدية للقضايا والأحداث على قادة الرأي، ثم تأثير أولئك من خلال مناقشتهم هذه القضايا مع محيطهم الاجتماعي على الرأي العمومي، إلى طرح المؤثرين للقضايا والأحداث على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تأثير النقاش الذي يتم على صفحات هؤلاء على مواقع التواصل الاجتماعي على تشكيل الرأي العمومي.
- الحدود
لم تتوسع الأطروحة بالشكل الكافي في عدد من الجوانب وذلك لعدة أسباب تتعلق بالوقت والجهد وبمنهجية البحث التي كانت وصفية بالأساس واقتصرت على استخلاص وتحليل التفاعلات اللغوية والخطابية التي تتم على مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوة موجهة للباحثين لإلقاء الضوء على الجوانب التالية:
- تأثير الضعف اللغوي والخطابي للمشاركين في النقاشات على الفضاء العمومي الرقمي على عقلانيته.
- المصالح والقوى التي تقف خلف أهم الفاعلين في الفضاء العمومي الرقمي كالمؤثرين والصحافة الرقمية.
- ظاهرة التضليل الإعلامي و”الأخبار الزائفة” التي ما فتئت تتقوى على الفضاء العمومي الرقمي، بعد أن أصبح بإمكان الجميع النشر دون تحمل مسؤولياته.

جمال بن حدو
باحث في العلوم السياسية، حاصل على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
A researcher in political science, holding a PhD in Public Law and Political Science from the Faculty of Legal, Economic and Social Sciences of Mohammedia, Hassan II University of Casablanca.