ضبط الخطاب الانتخابي الرقمي بين نزاهة الانتخابات وحماية حرية التعبير: تعليق على قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25

أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 259/25[1] بتاريخ 24 دجنبر 2025، القاضي بمطابقة القانون التنظيمي رقم 53.25، الذي يغير ويتمم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، لأحكام الدستور. ويأتي هذا القرار في سياق دينامية تشريعية لتعديل قوانين الانتخابات، استعدادا للانتخابات التشريعية لسنة 2026.

ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة، لكونه يندرج ضمن الرقابة القبلية الإجبارية على القوانين التنظيمية[2] المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور، والتي تضطلع فيها المحكمة الدستورية بدور محوري في ضمان احترام المشرع للضوابط الدستورية، سواء من حيث الاختصاص أو من حيث مضمون المقتضيات التشريعية.

موضوع القانون التنظيمي وسياق عرضه على المحكمة

يهدف القانون التنظيمي رقم 53.25 إلى إدخال تعديلات على بعض مقتضيات القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بما يستجيب لمتطلبات تنظيمية ووظيفية أفرزتها الممارسة السياسية، أو ترتبط بتأويلات سابقة للقضاء الدستوري، أو بضرورة تعزيز الانسجام التشريعي، كما يعكس، في جانب منه، التوافقات السياسية بين الكتل الحزبية.

وقد أحيل هذا القانون التنظيمي على المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقته للدستور، طبقا للمسطرة الدستورية ومع احترام لمبدأ الفورية[3]، بحيث إن ممارسة المحكمة الدستورية لرقابتها الإجبارية على القانون التنظيمي يؤدي إلى فحص شامل للقانون التنظيمي المعروض أمامها. وذلك باعتماد القاضي الدستوري على مناهج لإنتاج القرار الدستوري القاضي بإثبات أو نفي العلاقة الدستورية بين نص القانون التنظيمي من جهة، وبين أحكام ومبادئ الوثيقة الدستورية من جهة[4]. بهدف التأكد من كون أن هذه القوانين التي يقرها البرلمان لا تتضمن مقتضيات مخالفة للدستور[5].

وقد قضت المحكمة الدستورية بمطابقة القانون التنظيمي رقم 53.25 للدستور، معتبرة أن المقتضيات التي جاء بها تندرج ضمن المجال الذي خوله الدستور للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، ولا تمس بالاختصاصات الدستورية لباقي السلط، ولا تخل بمبدأ فصل السلط أو بالتوازن بينها.

مستجد الذكاء الاصطناعي وضبط الخطاب الانتخابي

من بين أبرز المستجدات التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25، إدراج مقتضيات جديدة تهم ضبط الخطاب الانتخابي في الفضاء الرقمي، ولا سيما في ظل التطور المتسارع لاستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال الحملات الانتخابية. ويأتي هذا التوجه التشريعي نظرا لما قد تطرحه الأدوات الرقمية المتقدمة على نزاهة وصدق العمليات الانتخابية، خاصة من خلال إنتاج أو تداول محتويات مزيفة أو مضللة تمس بالحياة الخاصة للمترشحين أو تؤثر في اختيارات الناخبين. غير أن إدماج هذه المقتضيات داخل النص الانتخابي يثير، في المقابل، أسئلة دقيقة تتعلق بحدود التجريم، ومعايير إثبات القصد، ومدى احترام الضمانات الدستورية المرتبطة بحرية التعبير والأمن القانوني، وهو ما يستدعي الوقوف عندها بالتحليل.

نصت على مادة 51-مكررة على ما يلي:

يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من بث أو وزع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو نشر أو أذاع أو نقل أو بث أو وزع خبرا زائفا أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية.  

يعاقب بنفس العقوبة كل من قام، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية، بصناعة محتوى يشتمل على مضمون كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
            حاول المشرع البرلماني من خلال هذا النص الربط بين تنظيم الخطاب الرقمي خلال الحملات الانتخابية وخطر التأثير على نزاهة العملية الانتخابية، وصرح بالعقاب الجنائي في حالات المعلومات المزيفة أو الكاذبة، دون تحديد آليات الإثبات الخاصة بكل حالة.

منطوق القرار والحجج التي قدمتها المحكمة الدستورية

قضت المحكمة الدستورية بأن المادة 51 المكررة غير مخالفة للدستور، على اعتبار أن المادة مبررة بغاية مشروعة، واستوفت متطلبات الضرورة في تحديد الجرائم والتناسب في الجزاء المطبق عليها.

وجاء في منطوق القرار:

“وحيث إنه، من جهة أولى، فإن ضمان صدق العمليات الانتخابية، باتخاذ مقتضيات تشريعية من شأنها زجر المناورات التدليسية التي تهدف إلى تضليل الناخبين والتأثير على إرادتهم، ولاسيما بصناعة ونشر محتويات كاذبة أو مزيفة، ومن جهة ثانية، أن نطاق الحماية القانونية للحق في الحياة الخاصة، المكفول بمقتضى الدستور، يشمل أيضا الأعمال المندرجة في الدعاية الانتخابية، ومن جهة ثالثة، أن احتدام التنافس الذي يطبع الحملات الانتخابية يجب أن لا ينحرف عن ضوابط احترام كرامة الآخرين، التي يتعين أن تحكم حرية التعبير والنقد المسموح بهما في ممارسة الدعاية الانتخابية،  كيفما كانت طبيعة الدعامات وشكلها ووسائل التواصل المستعملة في هذه الدعاية، والمواد والمحتويات المنشورة عبرها، ومن جهة رابعة، أن العمليات الانتخابية المجراة وفق القانون، محمولة على قرينة الصحة والنظامية، مما يترتب عنه أن المنازعة في نتائجها تتم أمام القضاء الانتخابي المختص، وهي المحكمة الدستورية في حالة القانون التنظيمي المعروض، ووفق الأوضاع الإجرائية المقررة في القانون، وأنه يقع على عاتق الطرف الذي ينازع في العملية الانتخابية المعنية الإدلاء بما يراه إثباتا لمآخذه بشأنها، بمناسبة دعاوى انتخابية، إنفاذا لضمانة التقاضي في المادة الانتخابية المكفولة بموجب الدستور، والمنظمة بالقانون؛ 

وحيث إن أحكام المادة 51 المكررة المتخذة عملا بأحكام الدستور التي سبق بيانها، حددت العناصر التكوينية للجرائم الانتخابية التي أتت لزجرها، كما اندرج هذا التحديد ضمن الغايات والأهداف الدستورية التي اتخذت من أجلها، وراعى، فيما يخص القصد الجنائي، متطلبات حماية الحياة الخاصة، وصدق ونزاهة العمليات الانتخابية، كيفما كانت الدعامات والأدوات المستعملة في الدعاية الانتخابية، ولم يمس بحرية الصحافة المكفولة بمقتضى الفصل 28 من الدستور، ولا بالأنشطة الصحفية المهنية المشروعة التي تمارس بحسن نية وتستند إلى التحقق من المعلومة؛

وحيث إن أحكام المادة 51 المكررة مبررة بغاية مشروعة، واستوفت متطلبات الضرورة في تحديد الجرائم والتناسب في الجزاء المطبق عليها، مما تكون معه المادة المعروضة غير مخالفة للدستور؛

اعتبرت المحكمة الدستورية أن مقتضيات المادة 51 المكررة تستند إلى عدة مرتكزات دستورية متكاملة، تشمل ضمان صدق ونزاهة العمليات الانتخابية، وحماية الحياة الخاصة، وصون كرامة الأشخاص خلال الحملات الانتخابية، مع التأكيد على أن التنافس الانتخابي، مهما بلغ حدته، يظل مقيدا بضوابط دستورية تحكم حرية التعبير والنقد. كما ربطت المحكمة هذه المقتضيات بقرينة صحة العمليات الانتخابية، وباختصاصها كقاض انتخابي في النظر في المنازعات المرتبطة بنتائجها، مع تحميل عبء الإثبات للطرف المنازع وفق المساطر القانونية.

وفي هذا الإطار، خلصت المحكمة إلى أن المادة 51 المكررة قد حددت العناصر التكوينية للجرائم الانتخابية التي جاءت لزجرها، وراعت متطلبات القصد الجنائي حماية للحياة الخاصة ولنـزاهة العمليات الانتخابية، كيفما كانت الوسائل والدعامات المستعملة في الدعاية الانتخابية، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي. واعتبرت، بناء على ذلك، أن هذه المقتضيات لا تمس بحرية الصحافة المكفولة بموجب الفصل 28 من الدستور، ولا بالأنشطة الصحفية المهنية المشروعة التي تمارس بحسن نية وتستند إلى التحقق من المعلومة، مما يجعلها مبررة بغاية مشروعة ومستوفية لمتطلبات الضرورة والتناسب.

ورغم مشروعية الهدف الذي يتوخاه المشرع، وأقرت دستوريته المحكمة، فإن الطابع المستجد للمقتضى يثير عدة إشكاليات عملية وقانونية.

أولا: غموض معايير إثبات القصد في الخطاب السياسي الرقمي

ورغم أن المشرع اشترط صراحة عنصر القصد باستعمال عبارة “بقصد المساس بالحياة الخاصة” أو “بقصد المساس بنزاهة العملية الانتخابية“، فإن الإشكال لا يكمن في غياب القصد كعنصر قانوني، وإنما في غموض معايير إثباته في ظل تطور الخطاب السياسي الرقمي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. فغياب مؤشرات موضوعية لتحديد سوء النية، وعدم التمييز بين الفاعل الأصلي والناشر أو الوسيط التقني، قد يفتح المجال لتأويلات واسعة تمس بجوهر حرية التعبير السياسية، وتخل بمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي الدقة واليقين في التجريم.

تبرز هنا إشكالية تحديد الفاعل الحقيقي، إذ يطرح السؤال حول من يسند إليه القصد الجنائي: هل هو منشئ المحتوى؟ أم من أعاد نشره؟ أم من استعمل أداة ذكاء اصطناعي جاهزة؟ ذلك أن عدم تمييز النص بين الفاعل الأصلي، والناشر حسن النية، أو حتى الفاعل التقني، يجعل من هذا المقتضى إطارا قانونيا مفتوحا على تأويلات متعددة، خاصة في سياق انتخابي يتسم بتطور رقمي متسارع واستعمال مكثف لأدوات يصعب، في الوقت الراهن، استشراف اتجاهاتها وآثارها.

يتفاقم الإشكال المرتبط بضبط الخطاب الانتخابي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في السياق المغربي بفعل غياب إطار قانوني خاص ينظم هذه التكنولوجيا ويحدد مفاهيمها ومسؤوليات الفاعلين المرتبطين بها، على خلاف التجارب الدولية التي اتجهت نحو تقنين واضح يميز بين الاستعمال المشروع والاستعمال المضر بالمسار الديمقراطي وحماية الحريات. ويؤدي هذا الفراغ التشريعي إلى إدراج مقتضيات زجرية داخل النصوص الانتخابية دون سند مفاهيمي وتقني دقيق، مما يوسع هامش التأويل ويضعف ضمانات الأمن القانوني.

وفي هذا السياق، لا يمكن التعويل على القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية[6]، الصادر سنة 2009، إذ ظهرت مستجدات تقنية عديدة بعده، جعلت منه لا يتناسب ومستجدات الذكاء الاصطناعي، من حيث المحتوى المولد آليا، والاستهداف السياسي القائم على الخوارزميات، ومسؤولية القرارات الآلية. وعليه، فإن غياب تقنين أفقي للذكاء الاصطناعي يجعل معالجة هذه الظواهر داخل القوانين الانتخابية مقاربة جزئية.

اعتمدت تجارب دولية عديدة نصوصا تشريعية متخصصة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على ضبط القصد الجنائي والمسؤوليات، ففي الاتحاد الأوروبي، حدد قانون الذكاء الاصطناعي([7] (AI Act معايير موضوعية لتصنيف المخاطر العالية مثل (ديب فيك) (Deepfake)، وفرض مسؤولية واضحة على المنشئين الأصليين مع إعفاء الوسطاء حسني النية، مما يعزز اليقين القانوني ويحمي حرية التعبير. كما ميز الأمر التنفيذي الأمريكي[8] 14110 بين الفاعلين التقنيين والمحتوى المولد، مع آليات إثبات سوء النية عبر الشفافية الخوارزمية، بينما حددت الصين في إجراءاتها المؤقتة للذكاء التوليدي[9] مسؤولية المنصات عن إعادة النشر الضار، محققة توازنا بين الزجر والحماية الديمقراطية يتجاوز الفراغ التشريعي المغربي.

ثانيا: عقاب جنائي واسع

يرتبط عادة تطبيق عقوبات جنائية بالحبس والغرامة على أفعال رقمية بحرية التعبير، وقد يحدث تضييق غير مطلوب إذا لم تحاط ضوابط دقيقة تميز بين النقد السياسي المشروع والمعلومات المزيفة القصد. وقد يطال التشريع أطرافا متعددة في حال تفسير واسع للمادة. وبه، وجب الحرص على تحقيق التوازن بين مكافحة المعلومات المضللة وحماية حرية التعبير، وذلك من خلال اعتماد ​إطار شامل يحافظ على تنوع المصادر وحرية المعلومات وليس فقط العقاب الجنائي[10]. كما توصي الأمم المتحدة بإن مكافحة المعلومات المضللة تتطلب استثمارا مستداما في بناء القدرة على الصمود المجتمعي ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية[11]. وهو ما يعني أن المقاربات التشريعية الجزئية والموضوعاتية، حين تعتمد بمعزل عن رؤية شاملة، قد تربك مبدأ الأمن القانوني ولا تحقق الأثر الوقائي المرجو.

            وبالتالي، فإن التنصيص على عقوبات ضمن القانون التنظيمي لمجلس النواب، بقصد التأطير القانوني لاستعمال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية حماية لنزاهة العملية الانتخابية، قد يكون أمرا مفهوما بالنظر إلى السياق الراهن، غير أنه يظل غير كاف في ظل غياب منظومة قانونية شاملة، وغياب مواكبة حقيقية على مستوى التوعية الرقمية، وتوفير المعلومة الصحيحة، وتعزيز تواصل مؤسساتي جاد وفعال، يظل وحده القادر على التأثير الإيجابي والمستدام في السلوك الانتخابي.

            مع ضرورة الاعتراف أن رقابة القاضي الدستوري، وإن كانت تشكل ضمانة أساسية لاحترام الحقوق والحريات الدستورية[12]، تظل بطبيعتها رقابة لاحقة ومحدودة بإطار النص المعروض عليه، ولا يمكنها أن تعوض غياب سياسة تشريعية متكاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أو نقص آليات الوقاية غير الزجرية. وهو ما يعيد طرح مسؤولية المشرع والسلطات العمومية في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية شاملة، تجمع بين التنظيم القانوني، والتربية الرقمية، والشفافية، والتواصل العمومي الفعال.

غير أن الاقتصار في تعليل المحكمة على التأكيد على عدم المساس بحرية الصحافة، يثير تساؤلا مشروعا حول مدى استحضارها لمجال أوسع لحرية التعبير السياسية، كما هي مكفولة بموجب الفصل 25 من الدستور، خاصة في سياق رقمي جديد يتجاوز الإطار الصحفي المهني ليشمل فاعلين متعددي الصفات، من مواطنين وناشطين سياسيين ومترشحين، يستعملون منصات رقمية وأدوات ذكاء اصطناعي في التعبير والتفاعل العمومي.

بينما ميزت المحكمة بوضوح بين النشاط الصحفي المهني المشروع والممارسات التدليسية، فإنها لم تتوقف عند الإشكالات الدقيقة التي يطرحها الخطاب السياسي الرقمي غير المهني، ولا عند تعدد الفاعلين وتداخل الأدوار بين منشئ المحتوى، وناشره، والوسيط التقني، وهو ما يجعل مسألة القصد الجنائي، رغم التنصيص عليه صراحة في النص، مفتوحة على صعوبات تطبيقية وتأويلية قد تؤثر في ممارسة حرية التعبير السياسية.

ختاما، يندرج قرار المحكمة الدستورية في سياق يتسم بتزايد التحديات التي يطرحها التحول الرقمي على العملية الانتخابية، ويعكس حرصا مشروعا على حماية نزاهتها من الممارسات التضليلية المستجدة، لاسيما تلك المرتبطة باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الحرص، على أهميته، كان يستدعي تعليلا دستوريا أكثر اتساعا، يوازن صراحة بين متطلبات صون النزاهة الانتخابية وواجب حماية حرية التعبير السياسي باعتبارها أحد مرتكزات التعددية الديمقراطية.

ففي ظل غياب إطار قانوني شامل ومتكامل يؤطر استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العام، يظل دور القاضي الدستوري محوريا ليس فقط في مراقبة دستورية القيود التشريعية، بل أيضا في ترسيخ معايير دقيقة للتناسب والضرورة، والتنبيه إلى مخاطر التوسع في التجريم الانتخابي دون ضمانات كافية. ومن هذا المنظور، كان من شأن استحضار المحكمة الصريح لوظيفتها الحمائية للحريات أن يعزز من وضوح القرار ويكرس ثقة أكبر في قدرة الرقابة الدستورية على مواكبة التحولات الرقمية دون المساس بجوهر الحقوق والحريات.


[1] قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25 المتعلق بمطابقة دستورية القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، الصادر بتاريخ 24 دجنبر 2025.

[2] نص دستور 2011 في الفصل 85 والفصل 132 على أنه تخضع القوانين التنظيمية لرقابة إلزامية من طرف المحكمة الدستورية، فقد نصت الفقرة الثالثة من الفصل 85: “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور”. كما نصت الفقرة الثانية من الفصل 132: “تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها”.

[3] للمزيد في موضوع فورية الإحالة أنظر:

نور الدين أشحاح، الرقابة على دستورية القوانين في المغرب، دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس الرباط، السنة الجامعية 2000-2001، ص 340.

[4] عبد الرحيم المنار السليمي، مناهج عمل القاضي الدستوري بالمغرب، دراسة سوسيو قضائية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 2006-65.

[5] مصطفى قلوش، الإطار الفقهي للقوانين التنظيمية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 47، نونبر-دجنبر 2002، ص 15.

[6] القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي صدر بتنفيذ ظهير شريف رقم 1.09.15 بتاريخ 22 صفر 1430 (18 فبراير 2009)، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 27 صفر 1430 (23 فبراير 2009).

[7] European Union: Regulation (EU) 2024/1689 of the European Parliament and of the Council of 13 June 2024 laying down harmonised rules on artificial intelligence and amending certain Union legislative acts and Regulation (EC) No 300/2008, Regulations (EU) 2016/679, (EU) 2018/1139, (EU) 2019/2144 and (EU) 2024/1760 and repealing Directive (EU) 2022/2554 (Artificial Intelligence Act). Published in the Official Journal of the European Union on 12 July 2024.

[8] United States: Executive Order 14110 of October 30, 2023, “Safe, Secure, and Trustworthy Development and Use of Artificial Intelligence”.

[9] Interim Measures for the Management of Generative Artificial Intelligence Services , Order No. 12 of the National Internet Information Office, Cyberspace Administration of China, Ministry of Industry and Information Technology, Ministry of Public Security, issued July 10, 2023, effective August 15, 2023.

[10] OCDE (2024), Les faits sans le faux : Lutter contre la désinformation, renforcer l’intégrité de l’information, Éditions OCDE, Paris, https://doi.org/10.1787/4078bb32-fr.

[11] The Countering Disinformation report, In August 2022, responding to a request from the General Assembly in its resolution of December 2021.

[12] مريم ابليل، رقابة القضاء الدستوري على القوانين التنظيمية كآلية لحماية الكتلة الدستورية الحقوقية، مجلة إشكالات بحثية، العدد السادس، شتنبر 2025.