تحولات الرأي العام: الأساليب الحديثة المؤثرة في تكوينه

ناقش الطالب الباحث نبيل عواد، يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 على الساعة الثالثة بعد الزوال، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، تحت إشراف الدكتور عبد الرحيم العلام، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، أمام لجنة علمية مكونة من السادة الأساتذة:

  • الدكتور رضوان خولفة رئيسا؛
  •  الدكتور عبد الرحيم العلام مشرفا؛
  •  الدكتور محمد المساوي عضوا ومقررا؛
  •  الدكتور سعيد خمري عضوا ومقررا؛
  •  الدكتور الحبيب استاتي زين الدين عضوا ومقررا؛
  •  الدكتور عمر إحرشان عضوا.

حملت الأطروحة عنوان: “تحولات الرأي العام: الأساليب الحديثة المؤثرة في تكوينه”، وبعد المناقشة والمداولة، قررت اللجنة العلمية قبول الأطروحة بميزة “مشرف جدا” مع توصية بالنشر.

يندرج هذا العمل العلمي الأكاديمي في سياق التحولات المتسارعة التي طبعت بنية التواصل السياسي والعمومي مع مطلع الألفية الثالثة، حيث يلاحظ المتتبع للمجال العام انتقالاً جذرياً في مراكز الثقل الاتصالي، إذ تراجع دور الفاعلين الكلاسيكيين الذين احتكروا لقرون توجيه النقاش العام، وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، ووسائل الإعلام المؤسساتية التقليدية، لصالح بيئة رقمية شبكية تتسم بالسيولة والانتشار العابر للحدود الوطنية، وتأسيساً على هذا المعطى، يربط الباحث موضوعه بجذور تطور مفهوم الرأي العام تاريخياً، بدءاً من فضاء “الأغورا” في التجربة اليونانية ، مروراً بالتحولات الفلسفية في عصر الأنوار مع فلاسفة العقد الاجتماعي كجان جاك روسو وكانط، وصولاً إلى تشكل “المجال العمومي البرجوازي” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كما صاغه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في أدبياته السوسيولوجية والنقدية، ويرى الباحث أن الرأي العام المعاصر لم يعد نتاجاً لآليات التداول العقلاني التقليدية المحدودة، بل أضحى محصلة لتفاعلات بالغة التعقيد تتداخل فيها خوارزميات المنصات الذكية مع استراتيجيات التعبئة الرقمية الحديثة.

تتمحور الإشكالية المركزية لهذه الأطروحة حول رصد وتحليل أثر هذا الانتقال التواصلي من البنيات المؤسساتية التقليدية إلى منظومة الوسائط الرقمية، وكيفية مساهمة هذا التحول البنيوي في إعادة تشكيل الرأي العام من صيغته “الحقيقية” المركزية إلى صيغة “افتراضية” شبكية، وينبثق عن هذه الإشكالية جملة من الأسئلة الفرعية التي حاولت الدراسة الإجابة عنها، ومن أبرزها: ما هي الآليات الخوارزمية التي تحكم توجيه النقاش الرقمي وتشكيل الوعي الجمعي؟ وإلى أي حد تؤثر الفضاءات الافتراضية الجديدة في كسر احتكار النخب التقليدية للسلطة التواصلية؟ وما هي حدود قدرة هذا الرأي العام الشبكي الناشئ على إحداث تغيير سياسي واجتماعي ومؤسساتي مستدام على أرض الواقع؟ ولم تقف الدراسة عند التوصيف النظري، بل امتدت لمساءلة دور المنصات الرقمية في إدارة الأزمات الكبرى وصناعة السرديات المتصارعة، متخذة من حركات “جيل Z” الاحتجاجية، والصراعات الجيوسياسية الراهنة كالحرب على غزة والحرب الروسية الأوكرانية، نماذج تطبيقية كاشفة عن توازنات القوة الجديدة في الفضاء الاتصالي المعاصر.

تنبع الأهمية العلمية لهذه الأطروحة من محاولتها الجادة لسد فجوة معرفية واضحة في الأدبيات السياسية والسوسيولوجية العربية التي تناولت الفضاء الرقمي، حيث يتجاوز الباحث القراءات التقنية أو الوصفية السطحية ليقدم تفكيكاً نقدياً عميقاً يرتكز على تبيئة المفاهيم والنظريات السوسيولوجية الكبرى كأطروحات هابرماس، كاستيلز، وبورديو، وتتجلى دواعى اختيار هذا الموضوع في الحاجة الملحية لمواكبة ديناميات التعبئة السياسية والاجتماعية الراهنة وفهم منطق السيولة الذي بات يحكم مواقف الجماهير.

أما على المستوى العملي، فإن البحث يكتسي راهنية قصوى لكونه يسلط الضوء على الهشاشة البنيوية للرأي العام أمام استراتيجيات التلاعب، والتوجيه الخوارزمي، وانتشار الأخبار الزائفة والدعاية الممنهجة، بما يساعد على فهم التحديات الجديدة المرتبطة بالديمقراطية الرقمية، والتضليل الإعلامي، وأزمة الثقة، والاستقطاب داخل الفضاء العمومي المعاصر.

اعتمد الباحث منهجية مركبة تجمع بين:

  • المنهج الاستقرائي: للانتقال من ملاحظة الحالات الجزئية (كحركات الاحتجاج، الحروب الرقمية، الانتخابات) إلى استخلاص الأنماط العامة.
  • المنهج المقارن: لدراسة حالات دراسية متعددة ومتباينة (المغرب، مصر، روسيا، أوكرانيا، الولايات المتحدة) ورصد أوجه التشابه والاختلاف في ديناميات التعبئة والتأثير.

جمعت الأطروحة بين التحليل السياسي والسوسيولوجي والتواصلي، واستندت إلى مجموعة من النظريات المرجعية في حقل الرأي العام والتواصل السياسي، من بينها نظرية المجال العمومي ليورغن هابرماس، ونظرية “دوامة الصمت” لإليزابيث نويل نيومان، ومقاربات والتر ليبمان المتعلقة بصناعة القبول والبيئة الزائفة، إضافة إلى نظريات الهيمنة الرمزية ووضع الأجندة، وفضلا عن ذلك، اعتمد البحث على تحليل عدد من النماذج التطبيقية المرتبطة بالحركات الاجتماعية الرقمية، وصراعات السرديات الدولية، والحروب الإعلامية الحديثة، مع الاستئناس بتجارب وسياقات دولية متعددة لفهم التحولات التي عرفها الرأي العام في البيئة الرقمية.

قسّم الباحث أطروحته برؤية هندسية متوازنة إلى قسمين رئيسيين يعكسان التدرج المنطقي لمعالجة الإشكالية؛ حيث خصص القسم الأول لتشريح العوامل البنيوية والمؤسساتية المؤثرة في الرأي العام الكلاسيكي، ملقياً الضوء على آليات اشتغال الأحزاب والنقابات والإعلام التقليدي في صناعة وتوجيه الإرادة العامة، في حين ركز القسم الثاني بالكامل على رصد وتحليل ديناميات الفضاء العمومي الرقمي الجديد، متتبعاً أثر آليات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة النقاش العام، وضمن هذا القسم، أفرد الباحث فصولاً نوعية لدراسة النماذج التطبيقية المعاصرة، محللاً بالدرس والتمحيص الحركات الاحتجاجية الافتراضية وحروب السرديات العالمية في النزاعات الجيوسياسية الكبرى.

توصلت الأطروحة إلى جملة من النتائج الأساسية، من أبرزها:

  • تحول الرأي العام من نموذج مركزي تقليدي إلى كيان شبكي افتراضي يتسم بالسيولة والتفاعلية والقدرة الفائقة على التعبئة السريعة؛
  •  إسهام الفضاء الرقمي في توسيع دائرة المشاركة السياسية وكسر جزء من احتكار النخب التقليدية للسلطة التواصلية؛
  • تنامي تأثير الخوارزميات والمنصات الرقمية في توجيه النقاش العمومي وإعادة تشكيل الإدراك الجماعي؛
  •  بروز ظواهر “فقاعات الترشيح” و”غرف الصدى” بما يعزز الاستقطاب والانقسام داخل المجال العمومي؛
  •  تزايد هشاشة الرأي العام أمام التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة والدعاية الرقمية الممنهجة؛
  • استمرار دور الفاعلين التقليديين: لم تختفِ المؤسسات التقليدية (الدولة، الأحزاب، الإعلام الرسمي)، بل أعادت توظيف أدواتها داخل الفضاء الرقمي، مع صعود فاعلين جدد (مؤثرين، ناشطين) يعملون في فضاء هجين.
  • امتلاك الرأي العام الافتراضي قدرة كبيرة على إشعال الأزمات وصناعة السرديات المضادة، مقابل محدودية قدرته على تحقيق تغيير مؤسساتي مستدام في عدد من الحالات.

تكمن القيمة العلمية للأطروحة في مساهمتها في تطوير النقاش الأكاديمي حول تحولات الرأي العام في العصر الرقمي، من خلال الجمع بين المقاربات النظرية الكلاسيكية والتحولات التكنولوجية المعاصرة، فضلا عن انفتاحها على قضايا الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والتأثير الرقمي العابر للحدود، وتقدم الأطروحة إطارا تحليليا يمكن توظيفه في دراسات لاحقة تتعلق بالديمقراطية الرقمية، والتواصل السياسي، وصناعة السرديات، والتحولات التي يعرفها المجال العمومي في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

اختتم الباحث أطروحته بالتأكيد على أن التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الرقمي تجعل من موضوع الرأي العام الافتراضي حقلا مفتوحا على أسئلة وإشكالات بحثية متجددة، تتطلب المزيد من التفكيك والتحليل والمواكبة الأكاديمية. وفي هذا السياق، طرح البحث مجموعة من الأسئلة المفتوحة أمام الدراسات اللاحقة، من بينها: كيف يمكن قياس مستوى وعي المواطن الرقمي بالخوارزميات التي تسهم في تشكيل تصوراته وتمثلاته للعالم؟ وما الأدوات المنهجية القادرة على رصد هذا الوعي وتحليله؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار الرأي العام الافتراضي امتدادا للرأي العام المؤسساتي التقليدي، أو بنية مستقلة من حيث الفاعلين وآليات التأثير والديناميات التواصلية؟ كما تطرح البيئة الرقمية إشكالية التدبير القانوني والأخلاقي للمنصات الرقمية، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير والحد من التلاعب المعلوماتي والتضليل الرقمي، وتوقف الباحث أيضا عند التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة المحتوى والتأثير السياسي، متسائلا حول إمكانية اعتباره فاعلا جديدا داخل المجال العمومي، قادرا على إعادة تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاشات والسرديات بصورة غير مسبوقة.