المهنية في الإعلام العربي مقاربة تداولية لخطاب الصحافة المغربية عن الربيع العربي

بتاريخ 27-12-2023 تمت مناقشة أطروحة في الإعلام للباحثة خديجة زويشي برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس-سايس، تحت عنوان: “المهنية في الإعلام العربي مقاربة تداولية لخطاب الصحافة المغربية عن الربيع العربي”. وقد نالت الباحثة شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع تنويه أعضاء اللجنة العلمية بهذا العمل والتوصية بطبعه.

ملخص الأطروحة:

تعالج هذه الأطروحة قضية المهنية في الإعلام، من خلال التطبيق على خطاب الصحافة المغربية عن النسخة المغربية من احتجاجات الربيع العربي، والمتمثلة في حركة 20 فبراير، للكشف عن التقيد بأخلاقيات المهنية وحضور معاييرها، واستراتيجيات الإقناع المعتمدة في هذا الخطاب، عبر تبني المقاربة التداولية في التحليل.

الكلمات المفاتيح:

المهنية الإعلامية-الإعلام-الربيع العربي-حركة 20 فبراير-المقاربة التداولية.

“Examining Professionalism in Arab Media: A Pragmaic Approach to Moroccan Press Discourse on the Arab Spring”.

Thesis summary:

This thesis addresses the issue of professionalism in the media by applying the Moroccan press’s speech on the Moroccan version of the Arab Spring protests, the 20 February Movement, to reveal adherence to professional ethics, and attendance of its standards, and the persuasion strategies adopted in this speech by adopting the Pragmatic approach in the analysis.

Keywords:

Media professionalism-Media-Arab Spring-20 February Mouvement- Pagmatic Approach.

1-لمحة عامة عن الموضوع:

عرفت الدول العربية سياقا ثوريا احتجاجيا نهاية سنة 2010 م عد حدثا طارئا لم يسبق له مثيل فيها، وخلق أزمة استقطاب لأطراف الصراع كما أفرز نتائج سياسية واجتماعية غيرت الكثير من الواقع العربي، وقد كان الإعلام طرفا أساسيا في هذه الأحداث ومجالا له.

وقد شكلت الاتهامات المتبادلة بشأن الأداء الوظيفي المهني بين وسائل الإعلام العربية والمغربية، وكذا من قبل المتظاهرين الذين رفعوا شعارات منددة بصحف وبالتلفزة العمومية، وحتى تظلمات للجهات المختصة، غداة احتجاجات الربيع العربي ضرورة للبحث في موضوع المهنية

ويمارس الخطاب الإعلامي تأثيره بشكل غير مباشر في الرأي العام فاستراتيجيته الحجاجية والإقناعية يجري استضمارها في خطابه الإخباري ولا يتم التصريح بها، وهذا يجعله يتطلب تحليلا وتفكيكا لنسقه وآلياته لسبر قصديته التداولية في استهداف الجمهور المخاطب، وهو ما يتيحه البحث التداولي.

2-إشكالية البحث وفرضياته:

 فيما يتعلق بإشكالية الدراسة التي حاولت الأطروحة الإجابة عنها فتتمثل أساسا:

في معرفة مدى حيادية وموضوعية ودقة الصحف المغربية في معالجتها لأحداث احتجاجات حركة 20 فبراير بالمغرب، وكذلك تحديد مدى تأثير تغطيتها في تصورات الجمهور حول الأزمة وآليات الإقناع المتبعة، ويشمل ذلك أيضا تحديد مدى تأثر مهنية الخطاب الإعلامي بالأحداث التاريخية والأزمات.

وتمت صياغتها في السؤال التالي:

هل يتعامل الخطاب الصحفي –المكتوب-مع الأزمات والأحداث التي يعرفها الواقع بالمهنية الأخلاقية نفسها، والموضوعية عينها التي ينصص عليها في سياسته التحريرية؟ أم يكيل المادة الإعلامية بمكيالين؟  بمعنى هل هناك تضليل إعلامي ينقل الواقع كما يريد أن يكون أم هناك إعلام نزيه ينقل الواقع كما هو، ويسير وفق القواعد المهنية التي تسعفه في النقل الأمين والصادق؟

هذه الإشكالية الكبرى للأطروحة تتفرع لتساؤلات هي:

-هل كان خطاب الصحافة المغربية المكتوبة عن حركة 20 فبراير مهنيا كما تنص على ذلك الأعراف الصحفية؟

-إلى أي حد يمكن التزام المعايير المهنية في الأزمات التي تعارض الخط التحريري والتوجه العام للوسيلة الإعلامية؟

-ما أهم الاستراتيجيات الحجاجية والتضليلية التي قد يتوسل بها الخطاب الصحفي لكسب مصداقية الرأي العام المخاطب والتأثير فيه وإقناعه؟

-ألا تمثل الخروقات المهنية خاصة في الأزمات اصطفافا في الصراع له كلفته الاجتماعية والاقتصادية وخلقا لوعي زائف بالواقع يعرقل المسار التنموي للبلاد؟

-أليس عدم الالتزام بالمهنية يفقد الوسيلة الإعلامية سلطتها ويطعن في وظيفتها؟

-كيف يمكن تحييد الخطاب الإعلامي عن المصالح السياسية وسلطة المال والايديولوجيا؟ وهل من الممكن ذلك؟

وللبحث عن إجابة عن هذه الأسئلة تم الانطلاق الفرضيات التالية:

*الفرضية 1: الخطاب الصحفي له تأثيره البالغ على تكوين الرأي العام وبلورة تصوراته؛ وإن هو جانب المهنية في خطاباته بشأن حدث تاريخي له امتداده في المجتمع حاضرا ومستقبلا فهذا يؤثر سلبا على الرقي والتطور المجتمعي الذي هو رسالة الصحافة، ويؤثر سلبا أيضا على مهنة الصحافة ومشروعيتها وموقف المجتمع منها.

*الفرضية 2: الالتزام بالأخلاقيات المهنية يتأثر بشكل خاص إبان الأزمات والأحداث الطارئة.

 *الفرضية 3: الخطاب الإعلامي خطاب غايته التأثير والإقناع لذا يتوسل باستراتيجيات حجاجية تأثيرية تطوع الرأي العام وتوجهه.

3-منهج البحث:

 تم التقيد تقيدنا في هذه الأطروحة بمنهج تحليل الخطاب عبر توظيف المقاربة التداولية منه، وقد جاء اختيار هذه المقاربة نابعا من فعاليتها في دراسة الخطابات بشتى أصنافها، وبالنظر إلى الآفاقِ الواسعةِ التي تفتحها لمعرفة الخصائصِ الجوهريةِ الكامنةِ في اللغات الطبيعية التي يحتاجها المتكلمون في وضعياتِ التواصل والتخاطبِ المختلفة لأجل بلوغ مراميهم وأهدافهم؛ كما تسهم أيضا في اكتشاف ودراسة ما يميز الخطاب الإعلامي على وجه الخصوص عن غيره من أنواع الخطاب الأخرى من استعمال ذكي وفعال للخصائص الكامنة في اللغة، إضافة إلى مراعاة كونه خطابا تتجاذبه عوامل معرفية واجتماعية واقتصادية متعددة أثناء الاستعمال ما يسمه بالتعقيد، الذي تمكن التداوليات من تفكيكه عبر دراسة هذا الخطاب أثناء الاستعمال بالتطرق للأساليب اللغوية والحجاجية الموظفة فيه، وكذا آليات نجاحه وتحقيق قصديته.

4-منهجية البحث ومجاله

اقتضت طبيعة البحث أن اعتماد منهج استقرائي ينطلق من قضايا خاصةٍ للوصول إلى إثبات القضية العامة في البحث، وقد تم الاستناد في ذلك على الوصف والتحليل والمقارنة واستثمار آليات النظرية التداولية في تحليلِ الخطابِ التي مكنت من مقاربة المحاور الثلاثة الرئيسة للبحث، وهي: المهنية والحجاج والخطاب الإعلامي.

حيث تم الاشتغال على نموذجين من الصحافة المغربية المكتوبة وبعد تفكيك بنية خطابهما تم إخضاعهما للتحليل في ضوء تحقيق هدف الكشف عن مهنيتهما عبر التوسل بالمؤشرات المهنية لثلاثة معايير تعد أساس المعالجة المهنية حسب مواثيق الشرف المهني الصحفية وهي الدقة والموضوعية والحياد.

وأما المتن الذي اختير للدراسة في الشق التطبيقي من هذا البحث فقد تمثل في نماذج للخطاب الصحفي المغربي لجريدتي الاتحاد الاشتراكي والأحداث المغربية، عن حركة 20 فبراير الاحتجاجية بالمغرب، ويمتد مجال البحث من فترة زمنية محددة من 16 فبراير إلى 30 مارس 2011، وقد جاء هذا الاختيار نابعا من أسباب موضوعية تخدم البحث تمثلت في تباين مواقف الجريدتين من الحركة، فالحركة نفسها خرجت تتهم جريدة الاتحاد الاشتراكي بمعاداتها، فيما عدت جريدة الأحداث المغربية داعمة لها، إضافة إلى التباين في طبيعة الجريدتين فالاتحاد الاشتراكي حزبية والأحداث المغربية مستقلة، سعيا لتمثيل أطياف الخطاب الصحفي المغربي وواقعه.

5-بناء البحث وتصميمه:

وقد توزع محتوى الأطروحة على بابين يتوزع كل واحد منهما على فصلين، وقد مهدنا لهما بمقدمة وذيلناهما بخاتمة، فجاءت محتوياتُ البحثِ موزعةً على النحو الآتي:

-المقدمة: تم فيها تقديم توطئة الإطار العام للموضوع والدواعي التي بعثتن على البحث فيه، إضافة إلى تحديد مجال البحث وعناصر الإشكالية التي انطلق منها والخطوات المنهجية المتبعة في دراستها، وكذا عوائق البحث في الموضوع.

-الباب الأول: استعرض فيه الأساس النظري للمهنية الإعلامية ولتحليل الخطاب والتداوليات، بحيث توزع على فصلين خصص الأول لتحديد أهم المفاهيم النظرية والأسس المعيارية للمهنية في الإعلام، فيما الفصل الثاني تناول المفهوم النظري للخطاب الإعلامي وأبعاده الحجاجية التأثيرية والمبادئ والمرتكزات النظرية للتداوليات في تحليل الخطاب.

الباب الثاني:: تطبيقي بعنوان “المهنية في الخطاب الإعلامي المغربي عن حركة 20 فبراير، دراسة تطبيقية” سعى لتحليل خطاب جريدتي الاتحاد الاشتراكي والأحداث المغربية عن حركة 20 فبراير ورصد حضور المعايير المهنية في خطاباتهما تجاهها وآليات الإقناع والتأثير المعتمدة فيها، وذلك باستثمار الأدوات التحليلية للتداولية والحجاج ومؤشرات المعايير المهنية، فالفصل الأول في هذا الباب خصص لخطاب الصحافة المستقلة ممثلة في جريدة الأحداث المغربية عبر تحليل تداولي (السياق- الأفعال الإنجازية- الإشاريات- الاستلزام الحواري-) وحجاجي (البعد الحجاجي- مستوى السخرية- البلاغة استراتيجية حجاجية- الربط المنطقي -البنية الحجاجية -الاستراتيجيات التأثيرية الحجاجية…)، وتحليل مهني للكشف عن الالتزام بالأخلاقيات المهنية عبر رصد الخرق لمؤشرات معايير الدقة والموضوعية والحياد المهنية، بينما الفصل الثاني  تم فيه الاشتغال على خطاب جريدة الاتحاد الاشتراكي بالطريقة نفسها.

خاتمة البحث: جاءت خاتمة هذا البحث لتسجّل أبرزَ النتائج التي توصلنا إليها، والتي تمحورت حول مهنية واستراتيجيات الحجاج في الخطاب الصحفي المغربي، مع إبراز بعض آفاق هذا البحث، وتقديم المتن المعتمد في التحليل، كما تذييل البحث بالمصادرِ والمراجعِ المعتمدة.

6-نتائج وخلاصات الأطروحة:

-هناك تباين في شكل وإطار رسالة الخطاب الصحفي للصحافة المكتوبة المغربية فيما يخص “حركة 20 فبراير.

-حركة 20 فبراير حدث إعلامي طارئ تفاعلت معه وسائل الإعلام المغربية موضوع التحليل في البداية بالتشكيك أو العداء، ثم غيرت تفاعلها إلى المساندة المطلقة، أو المساندة من منطلق نقاط التوافق الضيقة معه، مع اتهامات من قبل الصحافة لبعضها بانعدام المهنية، واتهامات رفعت في شعارات المحتجين.

-صورت جريدة الأحداث المغربية الفعل الاحتجاجي لحركة 20 فبراير مواجهة مع الأحزاب السياسية، فيما أطرت جريدة الاتحاد الاشتراكي هذا الفعل الاحتجاجي في سقف مطالب الأحزاب التي ترفع منذ سنوات.

-الخروقات المهنية لا تكون اعتباطية بل لها دلالة تتأطر بالسياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية وبالبنية المجتمعية والمصالح والنفوذ، ومن غايتها صياغة وتشكيل رأي عام أو بلورة “وعي مزيف” بطريقة ضمنية، فالإعلام يعد من القوى الناعمة والأخطاء المهنية والخروقات تسهل عملية التأثير والإقناع التي يرومها وقد حضرت في خطاب كلتا الجريدتين.

-الحجاج مجاله الاحتمال والظن، والإقناع الواعي، لكن استراتيجيات التأثير والتطويع تجعل نتائج ومجال الحجاج قطعيا، وتخضع المتلقي وتجبره على تبني مواقف بعينها، والإغراء بصورة القائم بالاتصال أو ما يمثله من إيديولوجيات وذلك عبر التعميم والمغالطة الحجاجية والتخويف..

-الخطاب الصحفي يتوسل باستراتيجيات حجاجية تأثيرية تنطلق من الخط التحريري والتوجهات السياسية للوسيلة الإعلامية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام وتشكيله وفقها وتثبيت أنماط سلوكية تتبناها.

-الخطاب الإعلامي عدا كونه صادرا عن سلطة فهو خطاب عمودي، ما يجعل المتلقي في مرمى خططه الاستراتيجية التطويعية والتأثيرية والتضليلية، ولهذا عليه هو الآخر أن يتسلح بمعرفة الضوابط المهنية التي تسعفه في كشف الأخطاء والخروقات لتلافي عملية التضليل هاته أو التطويع والخطاب الصحفي المكتوب خطاب أحادي عمودي مما يغذي هذا الطابع السلطوي.

-الخطاب الصحفي سيرورة وعملية مستمرة ومعقدة تتفاعل فيها وعبرها قوى ومتغيرات محلية ودولية، تعكس أوضاع المجتمع وثقافته والمراحل التاريخية التي عاشها ويعيشها وتساهم في تشكيل التي سيعيشها والحل لضبط هذه السلطة الخطابية هو الالتزام بالمعايير المهنية.