أعادت الحكومة إلى الغرفة الأولى للبرلمان مشروع قانون تنظيمي يتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية القوانين، وقد أُحيل عليها بتاريخ 24 أكتوبر 2025. ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة، لكونه يشكل آخر القوانين التنظيمية المنصوص عليها دستورياً التي طالها التأخير في التشريع، رغم الارتباط العضوي لموضوعه بحقوق المتقاضين وبفعالية الرقابة الدستورية اللاحقة.
يُظهر الاطلاع على النسخة الأولى من المشروع، المسجلة تحت رقم 35.24، توجهاً تشريعياً محافظاً يثير جملة من الملاحظات القانونية والموضوعية، سواء على مستوى شروط قبول الدفع أو آليات تصفيته أو حدود تدخل القضاء الدستوري. ويسعى هذا المقال إلى إبراز أهم هذه الملاحظات في إطار قراءة أولية نقدية، على أن يُفرد لكل إشكالية تحليل معمق في دراسة مستقلة لاحقاً.
تنطلق أولى الملاحظات من إعادة ترقيم مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين برقم جديد 35.24، في قطيعة لافتة مع ترقيمه السابق 86.15، رغم أن هذا الأخير راكم حوله مسارًا دستوريًا غنيًا بقرارين بالغي الأهمية. إذ سبق للمحكمة الدستورية أن قضت، بموجب قرارها رقم 70/18 م.د، بعدم مطابقة مجموعة من مقتضيات المشروع للدستور، وهو ما استدعى إدخال تعديلات عليه قصد ملاءمته مع منطوق القرار. غير أن المشروع المعدل، عند إعادة عرضه على المحكمة الدستورية، قوبل مجددًا بعدم الدستورية بموجب القرار رقم 23/207 م.د، هذه المرة لسبب إجرائي جوهري، يتمثل في عدم عرض الحكومة للمشروع المعدل على المجلس الوزاري برئاسة الملك قبل إحالته على البرلمان، في خرق لمقتضيات الفصل 49 من الدستور.
تكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة، لكونها تكشف أن مسألة الترقيم لا تندرج ضمن الحياد التقني، بل تنطوي على أثر مؤسساتي يتمثل في طمس الذاكرة الدستورية للنص وفصل المشروع الجديد ظاهريًا عن سياقه الرقابي السابق، بما قد يُضعف تتبع مساره الدستوري ويحدّ من مساءلة الفاعل التشريعي عن اختلالات سبق التنبيه إليها. كما أن العلة الإجرائية التي أسست عليها المحكمة الدستورية قرارها لا يمكن التقليل من شأنها، لأنها تمس جوهر احترام المسطرة الدستورية في توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وتُبرز أن إنتاج القوانين التنظيمية، ولاسيما تلك المرتبطة بتفعيل الحقوق والحريات، لا يستقيم إلا في ظل احترام صارم للقواعد الدستورية الشكلية باعتبارها ضمانات جوهرية، لا مجرد شكليات قابلة للتجاوز.
تبرز الغاية من مراجعة الخط الزمني لمشروع القانون المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون للغرفة الأولى للبرلمان، في أن المشروع الحالي، على الرغم من تبنيه لبعض عناصر قرار المحكمة الدستورية رقم 70/18 م.د، لم يلتزم بالكامل بالاجتهاد الدستوري المتراكم. فقد أخذ المشروع بعين الاعتبار التأويل الذي أقرته المحكمة لعبارة “الأطراف”، باعتبار النيابة العامة طرفًا يحق لها الدفع بعدم دستورية قانون، لكنه أغفل في نقاط عديدة ما قضت به المحكمة في قضايا أساسية، مثل نظام التصفية حيص ضن المشروع الحالي نظام التصفية على درجتين، يحعل هذا التغافل من المشروع ينطلق من نقطة الصفر، متجاهلًا التراكم القضائي السابق، ما يضعف استمرارية الاجتهاد الدستوري ويخلق تناقضًا بين النص المراد تشريعيه والسوابق الملزمة. وعليه، يصبح من الواضح أن المشروع، رغم حداثة قرارات المحكمة، لم يستوعب مضمونها الكامل، مما يسقط في إعادة النقاش التي سبق التداول فيها من قبل الأكاديميين والسياسين، إضافة لقرار المحكمة الدستورية.
يسجل أن مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، يُعد نصًا محوريًا يمكّن الأفراد من ولوج العدالة الدستورية، ويضع المغرب ضمن الدول التي فعلت هذا الحق الدستوري. غير أن غياب ديباجة توضيحية يطرح إشكالية جوهرية؛ إذ تجعل من الصعب استيعاب روح المشروع ومقاصده، وهو ما قد يؤدي إلى تأويلات متباينة للنصوص من قبل الفاعلين القضائيين والتشريعيين على حد سواء. يعزز هذا الغياب احتمال حدوث عدم توافق بين النصوص التشريعية والاجتهاد الدستوري، مما يمس بمبدأ الأمن القانوني ويضعف الاستقرار القانوني، لا سيما في ما يتعلق بتطبيق آليات الدفع بعدم الدستورية والحفاظ على انسجام النظام التشريعي مع مقاصد العدالة الدستورية.
يستشف من مشروع القانون التنظيمي تأويله للفصل 133 من الدستور المغربي بأن المقصود بلفظ “قضية” هو إثارة الدفع بعدم الدستورية في قضية معروضة أمام محاكم المملكة، بما في ذلك المحاكم الابتدائية، الاستئنافية، محكمة النقض، والمحكمة الدستورية.
يتجاهل حصر لفظ “قضية” في المحاكم التقليدية الجهات الأخرى التي تبت في منازعات أو طلبات لها صلة مباشرة بتطبيق القانون، مثل هيئات لمحاكم المالية والعسكرية أو الهيئات شبه القضائية. وهذا يعني أن المشروع لا يراعي التوسع الذي قد يتطلبه تمكين الأفراد من الدفع بعدم الدستورية أمام كل جهة تطبق القانون محل الطعن.
يناقض تأويل لفظ قضية مع روح الفصل 133 من الدستور الذي يؤكد على مبدأ أن الدفع بعدم الدستورية حق لكل طرف متضرر، دون تقييد شكلي بمكان الدعوى أو درجتها. لذلك، فإن التأويل الضيق يعيد المشروع إلى منطق شكلي، بعيدًا عن حماية الحقوق والمقاصد الدستورية الكاملة.
تنص المادة الثالثة من مشروع القانون على منع الأطراف من إثارة الدفع بعدم دستورية قانون لأول مرة أمام المحكمة الدستورية، باستثناء حالتين: إما في حالة حكم غيابي ضد الطرف، أو عند تطبيق المحكمة لمقتضى تشريعي لم يكن مطروحًا من قبل الأطراف.
من منظور ترشيد العمل القضائي، يمكن فهم هذا النص على أنه محاولة لتجنب إثارة دفوع متأخرة بعد أن صادق البرلمان على القوانين، وتقليص الطعون المتكررة على نفس القانون، وهو ما يعكس حرص المشرع على استقرار الوضع التشريعي والحد من استنزاف موارد المحكمة الدستورية.
لكن من منظور حقوقي ودستوري، يشكل هذا النص قيدًا مباشرًا على ولوج الأفراد للعدالة الدستورية، إذ يقيد قدرة الأفراد على الدفع بعدم الدستورية إلا في ظروف محدودة جدًا، مما يتناقض مع مبادئ الدستور المغربي الذي يكفل الحق في حماية الحقوق والحريات، ومع التوجه الدولي الذي يجعل من الدفع بعدم الدستورية آلية متاحة للوصول إلى القضاء الدستوري. يؤدي هذا القيد عمليًا إلى حرمان الأفراد من الطعن في القوانين المشوبة بعيوب دستورية إلا في حالات استثنائية، وهو ما يضعف وظيفة الرقابة البعدية ويحد من فعالية العدالة الدستورية كآلية لحماية الحقوق.
أعاد مشروع القانون تضمين نظام للتصفية على مرحلتين الذي سبق إدراجه في النسخة الأولى من مشروع القانون التنيظمي رقم 86.15 السالف الذكر: المرحلة الأولى حيث تراقب المحكمة التي قُدم أمامها الدفع شروط إثارة مذكرة الدفع، وبعد استيفاء هذه الشروط، تنتقل المذكرة إلى المرحلة الثانية حيث تتحقق محكمة النقض من تحقق شرطين أساسيين: أولًا، وجود صلة بين المقتضى التشريعي محل الدفع والحق أو الحرية التي يشملها الدستور، وثانيًا، ألا يكون قد سبق البت في مطابقة المقتضى التشريعي للدستور، إلا إذا طرأت تغييرات على الأسس التي بنيت عليها المطابقة السابقة.
أظهرت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 70/18 م.د أن هذا النظام يجعل المشرع العادي مراقبًا سلبيًا للدستورية، نظرًا لصعوبة تحديد العناصر التي تحدد جدية الدفع وارتباط تقديرها بالموضوع وليس بالشكل، أي أن المراقبة لا تقتصر على استيفاء الشروط الشكلية للمذكرة، بل تتجه نحو فحص موضوعي للحقائق والآثار الدستورية للمقتضى التشريعي.
ورغم أن نية المشرع قد تكون تعزيز مبادئ دستورية مهمة، مثل إصدار الأحكام داخل آجال معقولة وضمان نجاعتها، إلا أن هذا النظام يتعارض مع قاعدة جوهرية تتعلق بالاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية، وهو ما يُعد جزءًا من النظام العام الدستوري. إذ أكدت المحكمة أنه حتى إذا كانت الغايات الدستورية مبررًا مقبولًا للتشريع، فإنها يجب أن تكون متلائمة ومنسجمة مع قواعد الدستور واحترام مبدأ وحدته، وإلا فإنها تخالف الضمانات الدستورية الأساسية.
بذلك، يظهر أن مشروع القانون، رغم حسن النية في ترشيد العمل القضائي، يضع المشرع في موقف محدود، ويخالف الاختصاص الموضوعي للمحكمة الدستورية، بل ويجعل من القضاء العادي يمارس نزع من الرقابة على القضاء الدستوري ويمرر له ما قدر انه جدي، مما يقلل من فعالية آلية الدفع بعدم الدستورية في حماية الحقوق والحريات الدستورية.
اشترطت المادة 9 من المشروع تغيّر الأسس التي بُني عليها التصريح السابق بالمطابقة لإعادة النظر في دستورية المقتضى التشريعي، ما يفترض ضمنيًا كمال التقييم الدستوري الأولي، وهو افتراض يصعب الدفاع عنه في ضوء تطور الواقع القانوني والاجتماعي وتعدد صور المساس بالحقوق. فعدم الدستورية قد لا يكون وليد تغيير في النص الدستوري أو في الإطار القانوني المرجعي، بل نتيجة مباشرة لكيفية تطبيق النص أو لتأويله القضائي أو الإداري، أو لانكشاف عدم تناسبه مع متطلبات حماية الحقوق والحريات. وعليه، فإن حصر إمكانية إعادة الرقابة في حالات تغيّر الأسس فقط من شأنه أن يُفرغ آليات الرقابة اللاحقة، وعلى رأسها الدفع بعدم الدستورية، من بعدها الوقائي والعلاجي، ويجعلها خاضعة لمنطق شكلي يضعف فعاليتها.
كما يمكن تبرير هذا التوجه بذريعة حماية الاستقرار القانوني، لأن هذا الأخير لا يُعد قيمة دستورية قائمة بذاتها إذا كان يُؤدي إلى تكريس انتهاك مستمر للحقوق والحريات. فاستقرار القواعد القانونية ينبغي أن يُفهم في علاقته بالغاية التي يخدمها، أي ضمان الأمن القانوني للأفراد في إطار احترام الدستور، لا في مواجهة هذا الاحترام. وعليه، فإن تفضيل استقرار النص التشريعي على حساب حماية الحقوق يُفضي إلى قلب منطق السمو الدستوري، ويجعل من القرار الدستوري ذاته عائقًا أمام تطور حماية الحقوق والحريات.
ليكون المنطق الأجدر بالاعتماد هو جعل إعادة النظر في دستورية المقتضى التشريعي ممكنة كلما ثبت أن تطبيقه يُخل بجوهر حق أو حرية مضمونة دستورياً، بغض النظر عن سبق التصريح بمطابقته أو عدم تغير الأسس التي بُني عليها ذلك التصريح، فالمعيار الحاسم ينبغي أن يكون الأثر الدستوري الفعلي للنص، لا تاريخه الرقابي. ويُعد هذا التوجه أكثر انسجامًا مع الغاية التطهيرية للعدالة الدستورية، ومع وظيفتها الأساسية في حماية الحقوق والحريات وضمان سمو الدستور على ما عداه من قواعد قانونية.
تنص المادة 27 من مشروع القانون التنظيمي على أن قرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية المقتضى التشريعي يؤدي إلى نسخه ابتداءً من التاريخ الذي تحدده المحكمة. من الناحية الشكلية، تمنح هذه الصياغة المحكمة المرونة اللازمة لتقدير الأثر الزمني للحكم بما يوازن بين حماية الحقوق والحريات وضمان استقرار النظام القانوني. إلا أن غياب معايير واضحة لتحديد تاريخ النسخ يطرح إشكالية قانونية واضحة، إذ قد يؤدي النسخ بأثر رجعي إلى تهديد الأمن القانوني من خلال التأثير على العقود والإجراءات القائمة التي استندت إلى النص الملغى، بينما قد يقلل النسخ بأثر مستقبلي من فعالية حماية الحقوق إذا لم يشمل الوقائع السابقة.
من منظور دستوري، تمنح المادة المحكمة سلطة تقديرية كبيرة، وهو انعكاس لطابع الرقابة الموضوعية المستقلة التي ينبغي أن تتمتع بها المحكمة الدستورية. ومع ذلك، يترك هذا التقدير المفتوح إمكانية خلق فراغًا تشريعيًا في التوجيه العملي للجهات القضائية والإدارية التي طبقت النص قبل الحكم بعدم الدستورية، مما يستدعي وضع معايير واضحة لتفادي التباين في التطبيق ولضمان انسجام الأثر مع مبادئ الدستور ومبدأ وحدة النظام القانوني.
بالنظر إلى التجارب المقارنة، من الممارسات الناجعة تحديد أثر عام للنسخ بأثر تقدمي، مع إمكانية استثناءات محدودة يتم تبريرها بالظروف الواقعية لكل حالة، بحيث يتم الجمع بين حماية الحقوق الفردية والاستقرار القانوني على حد سواء. يعزز هذا النهج من فعالية الدفع بعدم الدستورية ويقلص المخاطر المرتبطة بعدم اليقين القانوني، ويضع المحكمة في موقع يضمن احترام اختصاصها دون إفراط في تعطيل النظام القانوني القائم.
جاء في المادة 27 من مشروع القانون على أن قرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية المقتضى التشريعي لا يترتب عنه مسؤولية الدولة عن تطبيق هذا المقتضى. ربما يهدف هذا النص من ن منظور المشرع إلى حماية الدولة والجهات الإدارية والقضائية من المطالبات المالية أو القانونية التي قد تنشأ عن تطبيق نص أُعلن لاحقًا أنه غير دستوري، وهو ما يعكس حرصًا على الأمن القانوني واستقرار النظام العام.
ومع ذلك، من زاوية حقوق الأفراد، يمثل هذا النص تقييدًا مباشرًا لمبدأ التعويض عن الأضرار الناتجة عن تطبيق قانون غير دستوري، الذي يعتبرحقا دستورياً، إذ يُحرم المتضررون من أي وسيلة لإنصافهم عن الانتهاكات التي لحقت بحقوقهم. كما يتعارض هذا الأمر جزئيًا مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات، مثل المبادئ المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تؤكد على حق الفرد في التعويض عن الأضرار الناتجة عن انتهاك الحقوق القانونية.
من جهة أخرى، استبعاد مسؤولية الدولة قد يضعف الأثر الرادع للرقابة الدستورية على التشريع، إذ يخفف من التزام المشرع بالحرص على عدم سن نصوص مخالفة للدستور، ويجعل الأفراد يتحملون وحدهم نتائج الأخطاء التشريعية. لذلك، يقتضي النهج المقارن أن يُضاف إلى المادة نص يضمن إمكانية المطالبة بتعويض محدود أو محدد الأثر للأفراد المتضررين مباشرة، مع الحفاظ على حماية الدولة من المسؤولية الواسعة أو غير المحددة.
بهذا الشكل، يمكن تحقيق توازن بين الأمن القانوني واستقرار الدولة من جهة، وحماية الحقوق الفردية وفعالية الرقابة الدستورية من جهة أخرى، وهو ما يعزز من فعالية الدفع بعدم الدستورية كآلية لحماية الحقوق والحريات الدستورية.
يُثير التنصيص على دخول القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين حيز التنفيذ بعد مضي أجل أربعٍ وعشرين شهرًا إشكالًا دستوريًا جديًا، ذلك أنه يُكرّس تأخيرًا إضافيًا في تفعيل حق دستوري ظل معطّلًا منذ إقرار دستور 2011، بما يُفرغ الفصل 133 من مضمونه العملي ويُحوّله إلى حق مُعلّق على آجال تشريعية غير مبررة. ويزداد هذا التأخير حدّة إذا استُحضر أن الدستور ألزم المشرّع بإصدار القوانين التنظيمية داخل أجل أقصاه خمس سنوات، في حين أن هذا القانون تأخر فعليًا لما يقارب خمسة عشر سنة، فضلًا عن الزمن التشريعي اللازم لاعتماده ونشره. إن هذا الامتداد الزمني المفرط يتعارض مع مبدأ الأثر الفوري للحقوق الدستورية، كما استقر عليه الفقه الدستوري المقارن، ويُناقض الطبيعة الحمائية لآلية الدفع بعدم الدستورية بوصفها وسيلة ولوج فعّال وفوري للعدالة الدستورية. وعليه، يقتضي منطق سمو الدستور وحماية الحقوق التنصيص على دخول هذا القانون حيز التنفيذ داخل أجل معقول وقصير، دون مرحلية مفرطة، بما يضمن الانتقال من الاعتراف الشكلي بالحق إلى ممارسته الفعلية.
ختامًا، يظل ما سبق عرضًا لبعض الملاحظات المنتقاة حول مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون. غير أن هناك ملاحظات أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي تم تناولها، إلا أن مجال هذا المقال لا يسمح بالتفصيل فيها. من بين هذه الملاحظات: تحديد معنى المقتضى التشريعي وهل يشمل المراسيم بقوانين والظهائر، وإعادة تطبيق رسم قضائي على الدفع، إضافة إلزام تقديم مذكرة الدفع موقعة من محامٍ، ما يضيف أعباء جديدة على المتقاضي. كما يشترط المشروع أن يكون المحامي المقدم للدفع مقبولًا للترافع أمام محكمة النقض، وهو ما يربط بين الأقدمية ومعيار الكفاءة للترافع، وهو افتراض يحد من ولوج الأفراد للعدالة الدستورية ويضع قيودًا على حرية الدفاع أمام المحكمة، بل يحد من ولوج المحامي للترافع.
بذلك، يظهر التحليل أن مشروع القانون، رغم كونه خطوة نحو تمكين الأفراد من الدفع بعدم الدستورية، يحتوي على قيود وإشكالات قد تؤثر على فعالية هذه الآلية الدستورية وعلى حق الوصول إلى العدالة. ومن ثم، يستدعي الأمر إعادة النظر في بعض نصوص المشروع لضمان التوازن بين حماية الحقوق الفردية وفعالية الرقابة الدستورية. كما ينبغي إعادة صياغة النص مع الأخذ بعين الاعتبار قرارات المحكمة الدستورية السابقة المتعلقة بالمشروع، وملاحظات مختلف الفاعلين القانونيين والمؤسساتيين، لضمان أن يخدم النص جميع الأطراف المعنية، مع التركيز على الهدف الأساسي المتمثل في حماية الحقوق والحريات وتطهير المنظومة القانونية، بعيدًا عن أي توزانات سياسية أو رهانات انتخابية قد تؤثر على استقلالية العدالة الدستورية.
في ضوء الملاحظات المثارة، يتبيّن أن مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 ينطوي على نزعة إجرائية تُغلّب على منطق الحماية الدستورية، بما يُفضي عمليًا إلى إضعاف البعد الحقوقي لآلية الدفع بعدم الدستورية وتحويلها من حق دستوري أصيل إلى مسطرة استثنائية محاطة بقيود شكلية كثيرة. كما يلاحظ أن المشروع لا يستوعب بما يكفي لا الاجتهاد الدستوري المغربي المتراكم، ولا الدروس المستخلصة من الفقه الدستوري المقارن، خاصة التجارب التي جعلت من الدفع بعدم الدستورية أداةً لتقريب الدستور من المواطن لا حاجزًا إضافيًا أمامه. ويكشف هذا القصور عن حاجة ملحّة إلى إعادة بناء فلسفية للمشروع، تنطلق من تصور يجعل من الدفع بعدم الدستورية وسيلة حمائية في خدمة المواطن وضمانة فعلية لسمو الدستور، لا مجرد إجراء تقني استثنائي مُقيَّد يُفرغ الحق من مضمونه العملي.

طارق لحرش
باحث بسلك الدكتوراه تخصص القانون الدستوري وعلم السياسية بكلية الحقوق مراكش، مهتم بالبحث في قضايا القانون الدستوري وعلم السياسية.
Is PhD Student specializing in constitutional law and political science at the Faculty of Law in Marrakech, interested in researching issues of constitutional law and political science.