دور الهيئات الدولية في السياسة التعليمية بالمغرب

ناقش الباحث عبدالله وسخين أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بالكلية متعددة التخصصات ببني ملال، جامعة السلطان مولاي سليمان، تحت عنوان: ” دور الهيئات الدولية في السياسة التعليمية بالمغرب”، وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور بوشعيب زيات. نالت الأطروحة تقدير مشرف جدًا. وتكونت لجة المناقشة من:

• الأستاذ الدكتور البشير المتاقي: رئيسًا و مقررًا ؛

• الأستاذ الدكتور بوشعيب زيات: مشرفًا؛

• الأستاذ الدكتور امحمد قزيبر: عضوًا؛

• الأستاذ الدكتور عبدالرزاق البياز: مقررًا وعضوًا ؛

• الأستاذ الدكتور سي محمد الحيان: مقررًا وعضوًا.

مقدمة

تندرج الأطروحة موضوع هذا التقرير ضمن حقل تحليل السياسات العمومية، وتهتم بدراسة أحد التحولات البارزة التي عرفتها عملية صنع القرار العمومي خلال العقود الأخيرة، والمتمثل في تزايد حضور الفاعلين الدوليين في صياغة السياسات الوطنية وتوجيهها. وقد اختارت الأطروحة السياسة التعليمية بالمغرب مجالًا لدراسة هذا التحول، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها التعليم داخل السياسات العمومية، وإلى كثافة الإصلاحات التي عرفها قطاع التربية والتكوين خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

وتكتسب الأطروحة أهميتها من راهنية الموضوع ومن طبيعته المركبة، إذ لا تكتفي بدراسة السياسة التعليمية باعتبارها نتاجا حصريا للقرار الوطني، وإنما تنظر إليها باعتبارها نتيجة لتفاعل مجموعة من الفاعلين الداخليين والخارجيين ضمن سياق دولي يتميز بالعولمة وتعدد مستويات التدبير وصعود الحكامة وتزايد أهمية المرجعية الحقوقية. وتؤكد الأطروحة أن تحليل السياسات العمومية في سياق العولمة أصبح يهتم، أساسا، بتحولات أنماط الحكم، وعرضانية الرهانات، وتعدد مستويات التدبير، وتعدد الفاعلين المشاركين في صناعة السياسات العمومية.

ومن هذا المنطلق، تسعى الأطروحة إلى فهم الكيفية التي تفاعلت بها السياسة التعليمية المغربية مع التحولات الدولية، وكيف استطاعت الهيئات الدولية أن تجد لنفسها موقعا داخل منظومة صنع القرار التعليمي، وما الآليات والموارد التي مكنتها من ممارسة هذا التأثير. كما تحاول الكشف عن مدى تقاطع الإصلاحات التعليمية التي عرفها المغرب، خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2024، مع التوجهات التي تطرحها هذه الهيئات.

أولًا: أهمية الموضوع وسياقه العام

تنبع أهمية موضوع الأطروحة من التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي أسهمت في إعادة تشكيل طبيعة العلاقة بين الدولة والفاعلين الدوليين. فقد أدى تصاعد دور الهيئات الدولية إلى انتقال السياسات العمومية تدريجيا من مجال كانت الدولة تحتكر فيه عملية صنع القرار إلى مجال أكثر انفتاحا على فاعلين متعددين، يمتلكون موارد وخبرات وآليات مختلفة للتأثير.وتبرز الأطروحة أن التشكيك في نموذج دولة الرفاه، ابتداء من نهاية سبعينيات القرن الماضي، ارتبط أساسا بمسألة الفعالية والنجاعة.

وقد أدى ذلك إلى بروز نموذج الدولة الضابطة والمقومة، بالتوازي مع انتشار مفهوم الحكامة.

وفي المجال التعليمي، أصبح التركيز منصبا على الفعالية والإنصاف وقياس أداء الأنظمة التعليمية.وفي الوقت نفسه، أصبحت المرجعية الحقوقية إحدى ركائز العلاقات الدولية، خاصة مع ترسخ كونية حقوق الإنسان، حيث يمثل التعليم أحد الحقوق الأساسية. وقد أدى ذلك إلى جعل السياسة التعليمية الوطنية أكثر انفتاحا على التأثيرات الدولية، سواء عبر الالتزامات الحقوقية، أو التقارير والدراسات، أو الإحصاءات المقارنة، أو البرامج والتوجيهات والمقترحات التي تقدمها الهيئات الدولية لصناع القرار الوطني.وتبرز أهمية الموضوع بالنسبة إلى الحالة المغربية من خلال توالي الإصلاحات في مجال التربية والتكوين منذ بداية الألفية الثالثة، انطلاقا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين ووصولا إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030. وترى الأطروحة أن هذه البرامج والخطط لم تكن فقط نتاجا لفاعلين وطنيين، بل ساهمت الهيئات الدولية المهتمة بمجال التعليم، بطرق مختلفة، في بلورتها وتوجيهها.

ثانيًا: الإشكالية وأسئلة البحث

تنطلق الأطروحة من إشكالية مركزية تتمحور حول السؤال الآتية كيف تجلى دور الهيئات الدولية في صياغة وتوجيه السياسة التعليمية بالمغرب خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وما المحددات التي أتاحت لها ممارسة هذا الدور؟وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة والكشف عن أبعادها المختلفة. ومن أبرزها التساؤل حول السياقات الدولية التي سمحت ببروز دور الهيئات الدولية في السياسة التعليمية بالمغرب، وكيف ساهم السياق الداخلي للمغرب بدوره في تعزيز حضور هذه الهيئات داخل مجال السياسة التعليمية.كما تبحث الأطروحة في الأسباب التي جعلت الهيئات الدولية تتحول من مجرد فاعلين داعمين أو وسطاء إلى ما تسميه «مقاولين سياسيين» مشاركين في تحديد السياسات التعليمية، فضلا عن البحث في الآليات والموارد التي تمنح هذه الهيئات سلطة التأثير والتوجيه.

وينضاف إلى ذلك سؤال يتعلق بمدى تقاطع الإصلاحات التعليمية التي اعتمدها المغرب مع التوجهات التي تطرحها الهيئات الدولية.وتكشف هذه الأسئلة عن طبيعة المقاربة التي تعتمدها الأطروحة، فهي لا تنطلق من افتراض مسبق بأن التدخل الدولي إيجابي أو سلبي، وإنما تسعى إلى تحليل كيفية حدوثه، والوسائل التي يتم عبرها، والنتائج التي يتركها على السياسة التعليمية المغربية.

ثالثًا: فرضيات البحث

اعتمدت الأطروحة فرضيتين أساسيتين لتوجيه البحث والتحقق من العلاقة بين التحولات الدولية والوطنية من جهة، وتزايد تأثير الهيئات الدولية في السياسة التعليمية من جهة أخرى.تتمثل الفرضية الأولى في أن التحولات التي عرفها النظام الدولي، خاصة في أبعاده الحقوقية والاقتصادية، إلى جانب التحولات السياسية والمؤسساتية التي شهدها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة، ساهمت في تعزيز حضور الهيئات الدولية داخل مجال صنع السياسات التعليمية، ومكنتها من التأثير في توجيه الإصلاحات التربوية والمشاركة في بلورة اختياراتها الاستراتيجية.

أما الفرضية الثانية، فتربط التأثير المتزايد للهيئات الدولية بما تتوفر عليه من موارد وآليات تمنحها قدرة على توجيه السياسات العمومية التعليمية، وهو ما يظهر، حسب الأطروحة، في مضامين وتوجهات برامج وإصلاحات التربية والتكوين التي اعتمدها المغرب خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2024.وتتميز الفرضيتان بكونهما تضعان الظاهرة في إطار تفاعلي؛ فالتأثير الدولي لا يفسر فقط بالتحولات الخارجية، وإنما يتصل أيضا بالسياق الوطني الذي يسمح بهذا التأثير ويعيد صياغته وفق خصوصياته.

رابعًا: المنهجية المعتمدة

حرصت الأطروحة على اعتماد مقاربة منهجية تسعى إلى تحليل الظاهرة كما هي في الواقع، دون إضفاء مشروعية مسبقة عليها أو إصدار أحكام معيارية بشأنها. وفي هذا الإطار، اعتمدت المنهج النسقي باعتباره المقاربة الأساسية لفهم السياسة التعليمية باعتبارها مخرجا للنظام السياسي، الناتج عن تفاعل مجموعة من الفاعلين الداخليين والخارجيين.وتستند هذه المقاربة إلى نموذج دافيد إيستون، الذي يركز على العلاقة بين النظام السياسي وبيئته، بحيث يمكن اعتبار التقارير والخبرات التي تنتجها الهيئات الدولية جزءا من المدخلات التي تتفاعل معها منظومة صنع القرار، بينما تمثل السياسات التعليمية إحدى المخرجات الناتجة عن هذا التفاعل. ويبرز هذا التصور أن السياسة التعليمية ليست عنصرا منفصلا عن محيطها، بل هي جزء من نسق تتفاعل داخله عناصر متعددة.

إلى جانب المنهج النسقي، وظفت الأطروحة المنهجين التاريخي والمقارن. فالمنهج التاريخي يسمح بفهم الظاهرة في سياقها الزمني، انطلاقا من اعتبار الحاضر امتدادا للماضي، ويساعد على تحليل النصوص القانونية والتقارير وإعادة بناء الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت بها.أما المنهج المقارن، فيتيح فهم الظواهر من خلال مقارنتها بسياقات مختلفة زمانيا ومكانيا، واستخراج أوجه التشابه والاختلاف، خصوصا في مجال دراسة النظم التعليمية. غير أن الأطروحة تشدد على ضرورة مراعاة خصوصية كل سياق عند توظيف المقارنة، حتى لا تتحول إلى عملية إسقاط آلي لنماذج خارجية على الحالة المغربية. ويبدو أن الجمع بين هذه المناهج يمنح الأطروحة إمكانية أكبر لفهم العلاقة بين السياسة التعليمية المغربية والتحولات الدولية، من خلال الجمع بين التحليل النسقي للفاعلين والعلاقات، والتحليل التاريخي لتطور الظاهرة، والتحليل المقارن للسياقات والنماذج.

خامسًا: السياق الدولي وتحول موقع الهيئات الدولية

تكشف الأطروحة أن صعود الهيئات الدولية كفاعلين في السياسات العمومية يرتبط بمجموعة من التحولات البنيوية التي عرفها النظام الدولي. ومن أبرزها ترسيخ مرجعية حقوق الإنسان، وصعود العولمة الاقتصادية، وانتشار مفهوم الحكامة.وقد أسهمت هذه التحولات في خلق فضاء دولي تتقاطع فيه الإرادات الوطنية مع التزامات دولية ذات طابع معياري ومؤسساتي.

وفي مجال التعليم، أصبح من الصعب فهم الإصلاحات الوطنية بمعزل عن المؤشرات والتقارير والمعايير الدولية التي تنتجها الهيئات الدولية.لكن الأطروحة تقدم قراءة متوازنة لهذه العلاقة، إذ لا تعتبر صعود الهيئات الدولية دليلا على اختفاء دور الدولة أو فقدانها القدرة على اتخاذ القرار. بل إن التحول الأساسي يتمثل في تغير طبيعة هذا الدور، من فاعل مركزي يحتكر القرار إلى فاعل ضمن شبكة متعددة المستويات. وبذلك تظل الدولة المغربية فاعلا أساسيا، حتى عندما تتأثر بالتوجهات الدولية، لأنها تعيد تفسير هذه التوجهات وإدماجها داخل سياقها الوطني.

سادسًا: الهيئات الدولية باعتبارها “مقاولين سياسيين”من أبرز المفاهيم التي تقترحها الأطروحة مفهوم “المقاولين السياسيين” لوصف التحول في طبيعة أدوار الهيئات الدولية. فهذه الهيئات لم تعد تقتصر على تنفيذ البرامج أو تقديم الدعم، وإنما أصبحت تساهم في إنتاج الأفكار والسياسات، وبناء التحالفات، وتوجيه الأجندات الوطنية.ويعني ذلك أن الفاعل الدولي انتقل تدريجيا من موقع الوسيط إلى موقع الفاعل المبادر. كما أصبح قادرا على إنتاج نماذج معيارية يتم تعميمها من خلال التقارير الدولية والبرامج المشتركة وغيرها من الآليات.وتكتسي هذه الفكرة أهمية خاصة في تحليل السياسة التعليمية المغربية، لأنها تسمح بالنظر إلى التقارير والدراسات والمقارنات الدولية ليس فقط باعتبارها وثائق وصفية، وإنما باعتبارها أدوات يمكن أن تؤثر في تعريف المشكلات التعليمية، وترتيب الأولويات، واقتراح الحلول، وتوجيه النقاش العمومي حول الإصلاح.

سابعًا: آليات تأثير الهيئات الدولية في السياسة التعليمية

تقدم الأطروحة تقسيما ثلاثيا لآليات تدخل الهيئات الدولية في السياسة التعليمية، يتمثل في: القانون الدولي، والتقييمات الدولية، والتمويل والدعم التقني. ويتيح هذا التقسيم فهم السلطة الدولية باعتبارها سلطة متعددة المصادر والأشكال.1

. القانون الدولي والقوة المعياريةيشكل القانون الدولي، وخاصة في شقه الحقوقي، أحد مصادر التأثير في السياسات الوطنية، لأنه يضع التزامات يتعين على الدول مراعاتها في مجال التعليم. وتصف الأطروحة هذا النمط من التأثير بأنه “قوة ناعمة معيارية”، تقوم على المشروعية والالتزام وليس على الإكراه المباشر.وتبرز أهمية هذا الجانب في كون السياسة التعليمية أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بالمرجعية الحقوقية، وهو ما يجعل الالتزامات الدولية أحد العناصر التي تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة السياسات الوطنية

.2. التقييمات الدولية وسلطة المعرفةتمثل التقييمات الدولية، ومن بينها PISA، آلية أخرى للتأثير، لأنها توفر معطيات ومؤشرات تسمح بتشخيص الاختلالات ومقارنة أداء الأنظمة التعليمية وترتيب الدول وفق مؤشرات معينة.وتمنح هذه الآلية للمعرفة الإحصائية والتقييمية دورا متزايدا في صناعة القرار. فالمعطيات والأرقام والمؤشرات لا تكتفي بوصف الواقع، وإنما يمكن أن تصبح مرجعا لتحديد الأولويات، وقياس الأداء، وتوجيه الإصلاحات. ومن هنا تتحدث الأطروحة عن “سلطة المعرفة” التي تمارس من خلال إنتاج البيانات والمقارنات والمؤشرات

.3. التمويل والدعم التقني يمثل التمويل الدولي، خاصة من طرف البنك الدولي، آلية أخرى من آليات التأثير. وتكتسي هذه الآلية أهمية بسبب ارتباط التمويل أحيانا بشروط تتعلق بالإصلاحات القطاعية.وتكشف هذه الوضعية عن علاقة غير متكافئة نسبيا بين الدول النامية والمؤسسات المالية الدولية، إذ يمكن أن تصبح الموارد المالية الخارجية عنصرا مؤثرا في توجيه الاختيارات الوطنية. ومن ثم، فإن التأثير الدولي لا يمارس فقط عبر الأفكار والمعايير والمعرفة، بل يمكن أن يأخذ شكلا ماديا مرتبطا بالموارد والتمويل والدعم التقني.

ثامنًا: انعكاسات التدخل الدولي على السياسة التعليمية المغربية

تظهر خلاصات الأطروحة أن تأثير الهيئات الدولية انعكس على ثلاثة مجالات أساسية في السياسة التعليمية المغربية: تعميم التعليم، وجودة التعليم، وحكامة المنظومة.فعلى مستوى تعميم التعليم، يظهر التأثير من خلال توسيع الولوج إلى التعليم وإدماج الفئات الهشة. أما على مستوى الجودة، فقد أصبح التركيز أكبر على مستوى التعلمات وعلى اعتماد مؤشرات وتقييمات دولية لقياس أداء النظام التعليمي.

وفي مجال الحكامة، برز الاهتمام بالتدبير بالنتائج وإدخال آليات جديدة في التسيير. ويعكس هذا التحول انتقال السياسة التعليمية تدريجيا من التركيز على منطق الكم، أي توسيع العرض والولوج، نحو منطق يجمع بين النجاعة والجودة والحكامة.وتسمح هذه الخلاصة بفهم طبيعة التحول الذي عرفته السياسة التعليمية المغربية، حيث لم يعد الهدف مقتصرا على زيادة عدد المؤسسات أو المستفيدين، بل أصبح مرتبطا كذلك بقياس النتائج، وتحسين جودة التعلمات، واعتماد مؤشرات للأداء، وتطوير آليات التدبير والحكامة.

تاسعًا: الأدوار الأساسية للهيئات الدولية في المغرب

تميز الأطروحة بين ثلاثة أدوار رئيسية للهيئات الدولية في مجال السياسة التعليمية المغربية: المواكبة، والتحفيز، والضغط. يتجلى دور المواكبة في دعم جهود تعميم التعليم، ولا سيما في إطار الأهداف الدولية المرتبطة بأهداف الألفية للتنمية وبأهداف التنمية المستدامة. ويعكس هذا الدور طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه الهيئات الدولية للدول من أجل تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها التعليمية.

أما دور التحفيز فيظهر من خلال دفع المغرب نحو تحسين جودة التعليم، خاصة عبر التقييمات الدولية والمقارنات التي تتيح التعرف على مستوى أداء النظام التعليمي مقارنة بأنظمة أخرى.

وبذلك تصبح النتائج الدولية عاملا محفزا على مراجعة السياسات والممارسات التعليمية.في حين يتجلى دور الضغط بصورة خاصة في قضايا الحكامة والإصلاحات المرتبطة بالتمويل. ويكشف هذا الدور عن الوجه الأكثر تأثيرا للفاعلين الدوليين، عندما تصبح الموارد أو شروط الإصلاح أو الالتزامات الدولية عناصر ضاغطة على القرار الوطني.

ومن خلال هذه الأدوار الثلاثة، يتضح أن العلاقة بين المغرب والهيئات الدولية ليست علاقة أحادية الاتجاه، وإنما هي علاقة مركبة تتداخل فيها أشكال الدعم والتعاون مع آليات التحفيز والضغط.

عاشرًا: قراءة تحليلية في نتائج الأطروحة

تسمح المعطيات التي تقدمها الأطروحة باستخلاص عدد من النتائج الأساسية. أولها أن السياسة التعليمية المغربية لم تعد نتاجا داخليا صرفا، بل أصبحت نتيجة لتفاعل معقد بين اعتبارات وطنية وتوجهات دولية. غير أن هذا التفاعل لا يعني بالضرورة فقدان الدولة لدورها، بل يشير إلى تحولها من موقع الفاعل الوحيد إلى موقع فاعل داخل شبكة متعددة المستويات.

وثاني النتائج أن تأثير الهيئات الدولية لا يمارس من خلال قناة واحدة، بل عبر منظومة متكاملة من الآليات المعيارية والمعرفية والمادية. فالقانون الدولي يمنحها قوة معيارية، والتقييمات تمنحها سلطة معرفية، بينما يمنح التمويل والدعم التقني قدرة مادية على التأثير.أما النتيجة الثالثة فتتمثل في أن تأثير الهيئات الدولية يبدو واضحا في التحول الذي عرفته السياسة التعليمية من منطق التركيز على التعميم والولوج إلى منطق يولي أهمية أكبر للجودة والنجاعة والحكامة وقياس النتائج.وتبرز النتيجة الرابعة أهمية السياق الوطني في تفسير درجة التأثير الدولي؛ فالهيئات الدولية لا تعمل في فراغ، وإنما تمارس تأثيرها داخل سياقات وطنية لها مؤسساتها وفاعلوها واختياراتها. ولذلك فإن الدولة المغربية لا تستقبل التوجهات الدولية بصورة آلية، وإنما تعيد تأويلها وتكييفها وفق شروطها وخصوصياتها الوطنية.

خاتمة

خلصت الأطروحة إلى أن تحليل السياسة التعليمية بالمغرب يقتضي تجاوز التصور الذي يحصر صناعة القرار في الفاعلين الوطنيين، واعتماد تصور أكثر تركيبا يأخذ بعين الاعتبار حضور الهيئات الدولية وتعدد مستويات الفعل والسياسات العمومية.

وقد تمكنت الأطروحة، من خلال اعتماد المنهج النسقي والتاريخي والمقارن، من إبراز طبيعة العلاقة المتغيرة بين الدولة والهيئات الدولية، والكشف عن الآليات التي تسمح لهذه الهيئات بالتأثير في السياسات التعليمية. كما أبرزت أن هذا التأثير يتخذ أشكالا متعددة، تبدأ بالقوة المعيارية للقانون الدولي، مرورا بسلطة المعرفة التي تنتجها التقييمات والمؤشرات الدولية، وصولًا إلى القوة المادية المرتبطة بالتمويل والدعم التقني.

وتكتسي هذه الخلاصات أهمية خاصة في فهم التحولات التي عرفها التعليم المغربي خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2024، حيث أصبح الإصلاح التعليمي مرتبطا بشكل متزايد بمفاهيم التعميم والجودة والنجاعة والحكامة والتقييم بالنتائج.

وعليه، فإن القيمة العلمية الأساسية للأطروحة تتمثل في توضيح أن السياسة التعليمية المغربية لا يمكن فهمها فقط من خلال دراسة النصوص والخطط الوطنية، وإنما ينبغي تحليلها أيضا في ضوء السياق الدولي وشبكة الفاعلين التي أصبحت تشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد الأجندة التعليمية. وفي الوقت نفسه، فإن حضور الهيئات الدولية لا يلغي دور الدولة المغربية، بل يعيد تشكيل موقعها داخل منظومة متعددة الفاعلين والمستويات.

وبذلك تساهم الأطروحة في تقديم قراءة تحليلية لطبيعة التحول الذي طرأ على صناعة السياسة التعليمية، من خلال الانتقال من نموذج القرار الوطني المنغلق نسبيا إلى نموذج أكثر انفتاحا على الفاعلين الدوليين، دون أن يعني ذلك اختفاء الخصوصية الوطنية أو انتهاء قدرة الدولة على تحديد اختياراتها. وتؤكد الخلاصة النهائية أن الأطروحة ساهمت أساسا في توضيح طبيعة العلاقة بين الدولة والهيئات الدولية، وإبراز آليات تأثير هذه الهيئات في السياسات التعليمية، وفهم التحولات التي يعرفها التعليم في المغرب.