ولوج الأفراد للعدالة الدستورية: دور الدفع بعدم الدستورية في تطهير المنظومة القانونية

ناقش الباحث  طارق لحرش أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، جامعة القاضي عياض، تحت عنوان: “ولوج الأفراد للعدالة الدستورية: دور الدفع بعدم الدستورية في تطهير المنظومة القانونية”، وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الرحيم العلام. نالت الأطروحة تقدير مشرف جدًا مع التوصية بالنشر وتنوية اللجنة، تكونت من:

  • الأستاذ الدكتور محمد الغالي: رئيسًا؛
  • الأستاذ الدكتور عبد الرحيم العلام: مشرفًا؛
  • الأستاذ الدكتور محمد المساوي: مقررًا وعضوًا؛
  • الأستاذ الدكتور أحمد مفيد: عضوًا؛
  • الأستاذة الدكتورة إكرام مسيرة عدنني: مقررة وعضوة؛
  • الأستاذ الدكتور الحبيب أستاتي زين الدين: مقررًا وعضوًا.

تتناول هذه الأطروحة أحد أبرز التحولات الهيكلية التي عرفها القضاء الدستوري المغربي في ظل الوثيقة الدستورية لسنة 2011، والمتمثل في إقرار حق الأفراد في إثارة الدفع بعدم دستورية القوانين كآلية حقوقية وتشريعية غير مسبوقة. وينطلق البحث من رصد هذا الانتقال النوعي للرقابة الدستورية بالمملكة، مبرزاً كيف أسهمت هذه الآلية في كسر احتكار المؤسسات السياسية لولوج القضاء الدستوري، ونقله إلى رحاب الأفراد والمتقاضين للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم الأساسية أثناء نظر المحاكم في النزاعات المعروضة عليها. وتتأتى القيمة العلمية للأطروحة في تحليلها لكيفية تحول الرقابة من نموذجها التقليدي القبلي والوقائي، إلى رقابة بعدية ترتبط بولوج المواطنين، مما يجعل من الدفع بعدم الدستورية ميكانزمًا ديمقراطيًا فعالًا لتطهير المنظومة القانونية، وتنقيحها من المقتضيات التشريعية.

حول بحث إسهام تمكين الأفراد من الولوج إلى العدالة الدستورية، عبر آلية الدفع بعدم الدستورية، في تحقيق تطهير للمنظومة القانونية من النصوص التشريعية المخالفة للدستور، وذلك في ظل التحول من منطق الرقابة الدستورية القبلية المحدودة الفعالية إلى آليات رقابة لاحقة مرتبطة بالخصومة القضائية، وهي آلية الدفع بعدم دستورية القوانين.

أخذا بالاعتبار أن تمكين الأفراد من إثارة الدفع بعدم الدستورية لا يكفي، في حد ذاته، لضمان سمو الدستور وتطهير المنظومة، ما لم يُقرن بإطار إجرائي وقضائي فعّال، يوازن بين توسيع الولوج إلى العدالة الدستورية ومنع التعسف في استعمال هذه الآلية. وهو ما يقتضي فحص شروط قبول الدفع بعدم الدستورية، وصلاحية القاضي العادي في تصفية الدفوع وإحالتها، وحدود سلطته التقديرية في هذا المجال، فضلاً عن دراسة الأثر الزمني لأحكام عدم الدستورية ومدى إسهامها في استقرار المعاملات القانونية أو زعزعته.

تنطلق الأطروحة من فرضية مفادها أن آلية الدفع بعدم دستورية القوانين تشكل وسيلة فعّالة لتوسيع ولوج الأفراد إلى العدالة الدستورية، بما يُسهم في الكشف عن النصوص التشريعية المخالفة للدستور وتطهير المنظومة القانونية منها. غير أن فعالية هذه الآلية تظل مشروطة بالإطار الإجرائي والمؤسساتي الذي يحكم تفعيلها، إذ لربما يؤدي سوء تدبير شروط القبول، أو توسع نطاق الإحالة إلى تقليص ولوج الأفراد لها، كما أن عدم ضبط الأثر الزمني لأحكام عدم دستورية القوانين، ربما يؤدي إلى المساس بمبدأ الأمن القانوني وإحداث اختلال في استقرار الأوضاع القانونية.

تشكل الفرضية السابقة الإطار المرجعي الذي يوجه هذه الأطروحة، إذ تضع الفرضية احتمالاً علمياً قابلاً للتحقق أو الدحض من خلال الدراسة والتحليل. فهي تحدد العلاقة المفترضة بين ولوج الأفراد للعدالة الدستورية عبر الدفع بعدم الدستورية وتطهير المنظومة القانونية من جهة، ومن جهة أخرى تأثير الحكم بعدم الدستورية على الأمن القانوني.

تفتح الفرضية المجال لتقييم مدى قدرة هذه الآلية على إحداث أثر ملموس في الواقع القانوني، سواء من حيث تطهير المنظومة القانونية من النصوص غير الدستورية، أو من حيث إعادة التوازن بين السلطتين التشريعية والقضائية، وذلك عبر تمكين الأفراد من أن يصبحوا فاعلين في الرقابة على دستورية القوانين والولوج لحقهم في العدالة الدستورية.

يعتمد ضمن أسطر هذه الأطروحة على تداخل مجموعة من المناهج لتحقيق نوع من التكامل فيما بينها لتشكل إطاراً متيناً لدراسة الإشكالية والتثبت من صحة الفرضية.

تم في البداية الاستعانة بمقاربة تاريخية، والمتمثلة في استعراض الكرونولوجية التاريخية لظهور ولوج الأفراد للعدالة الدستورية في التجارب التأسيسية، باعتباره مدخلاً ضرورياً لفهم نشوء العدالة الدستورية وتطورها عبر السياقات المختلفة، إذ تم تتبع جذور هذا النظام من تجربة الولايات المتحدة الأمريكية التي دشنت بروز الرقابة القضائية البعدية على دستورية القوانين عبر اجتهاد قضائي، مروراً بالتجربة النمساوية التي أرست ملامح القضاء الدستوري المتخصص ذو النظام المركزي، وصولاً إلى باقي تجارب أوروبا التي تبلورت فيها الرقابة البعدية على القوانين كما هو الحال في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، قبل الانتقال إلى رصد ملامحها في عدد من التجارب العربية مثل مصر والكويت ولبنان، ثم استحضار المسار المغربي الذي تميز بخصوصيته في هذا المجال.

يعتمد ضمن أسطر هذه الأطروحة على المنهج الوظيفي، بعلة دراسة وظيفة الدفع بعدم الدستورية في تحقيق ولوج الأفراد للعدالة الدستورية وأثر ذلك على تطهير المنظومة القانونية. لم يتم ما سبق بطريقة مجردة بل تم ربطه بتجارب من قبيل: التجربة المغربية مع استحضار بعض التجارب المقارنة على سبيل التوسع، كما تم الوقوف عند الوظيفة المؤسساتية والقانونية التي تحتضن هذا الحق، وذلك قصد الكشف عن مدى انسجامه مع الهدف الأسمى المتمثل في تحقيق ولوج الأفراد للعدالة الدستورية وتطهير المنظومة القانونية. مكن هذا المنهج من تحليل الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الدستورية في تفعيل هذه الآلية، وكذا رصد حدودها العملية في المغرب وبعض التجارب المقارنة.

جانبا إلى جانب المقاربة التاريخية والمنهج الوظيفي، اعتمد على تقنية تحليل المضمون كأداة منهجية أساسية، أخضعت القرارات الصادرة عن المحاكم الدستورية في موضوع الدفع بعدم الدستورية وأثرها على المنظومة القانونية للتحليل، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالتجارب المقارنة والقرارات الواردة في التجربة المغربية، إضافة إلى دراسة النصوص القانونية المؤطرة لهذه الآلية في تجارب مقارنة ومشاريع النصوص التنظيمية والقانون التنظيمي المتعلق بالتجربة المغربية. حيث لم يقف التحليل عند حدود النصوص النافذة، بل شمل أيضاً مشروعي قانون تنظيمي رقم 86.15 متعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، والقانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون لما له من أهمية في فهم تتبع مسار تطور هذه الآلية ومدى فعاليتها.

أبرزت الدراسة أن الأدبيات السابقة، على الرغم من غناها، انصبت أساسًا على الجوانب الإجرائية والمؤسساتية للدفع بعدم الدستورية، في حين ظلت مسألة أثر ولوج الأفراد إلى العدالة الدستورية في تطهير المنظومة القانونية مجالًا يحتاج إلى دراسة مستقلة، خاصة بعد صدور القانون التنظيمي المنظم لهذه الآلية بالمغرب.

وانتظمت الأطروحة في قسمين رئيسيين، خصص الأول لتتبع نشأة الرقابة البعدية على دستورية القوانين وانتشارها في التجارب المقارنة، مع تحليل التجربة المغربية وموقعها ضمن النماذج الدستورية المعاصرة، بينما تناول القسم الثاني شروط وإجراءات ممارسة الدفع بعدم الدستورية، وأثر الأحكام الصادرة بشأنه على تطهير المنظومة القانونية وتحقيق الأمن القانوني.

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، من أبرزها أن اعتماد نظام التصفية على درجتين يضيف قيودًا إجرائية قد تحد من ولوج الأفراد إلى العدالة الدستورية، كما سجلت غياب تنظيم واضح للأثر الرجعي لقرارات عدم الدستورية خاصة في حالات القضايا الجنائية والضريبية بالنظر لخصوصية هذه القضايا، بما يضعف حماية الحقوق ويحد من فعالية تطهير المنظومة القانونية. كما انتقدت الأطروحة التفسير الضيق لمفهوم “المحاكم”، وما يترتب عنه من تضييق لجهات ممارسة الدفع، إضافة إلى الاقتصار على نموذج مغلق في صياغة قرارات المحكمة الدستورية دون إقرار الآراء المخالفة، الأمر الذي يحرم الاجتهاد الدستوري من دينامية فقهية أكبر.

وانتهى الباحث إلى التأكيد على صحة الفرضية العلمية التي انطلقت منها الدراسة، مفادها أن الدفع بعدم الدستورية يشكل آلية واعدة لتعزيز حماية الحقوق والحريات وتطهير المنظومة القانونية من النصوص المشوبة بعيب عدم الدستورية، غير أن تحقيق هذه الغاية يظل مرتبطًا بتطوير الإطار القانوني والإجرائي المنظم لها، وباعتماد تأويل قضائي يوازن بين حماية الدستور وضمان الأمن القانوني.

ختاما، تكتسي هذه الأطروحة أهمية علمية خاصة، لكونها أول أطروحة في المغرب التي تناولت موضوع ولوج الأفراد إلى العدالة الدستورية في ضوء القانون التنظيمي رقم 35.24 المحدد لشروط وإجراءات ممارسة الدفع بعدم دستورية قانون، مع بحث الأثر الوظيفي لهذه الآلية في تطهير المنظومة القانونية، وهو ما يجعلها إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الدستورية بالمغرب، ومرجعًا علميًا للباحثين والمهتمين بتطور القضاء الدستوري وحماية الحقوق والحريات.