دور السلطة التشريعية خلال الحالات غير العادية: حالة الطوارئ الصحية

مقدمة

لقد ثبت على مر تاريخ البشرية بأن الحياة العادية للدول والشعوب قد لا تكون دائما عادية، حيث إن بعض الدول قد تتعرض لمخاطر من شأنها تهديد السير العادي والطبيعي لشؤون الدولة وتؤثر على سير المؤسسات والمرافق الحيوية وتمس الحقوق والحريات، من قبيل الكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل، كما قد تتعرض لاعتداء دول أجنبية، وقد تواجه اضطرابات داخلية، كما قد تظهر فيها بعض الأمراض لمعدية أو الأوبئة الخطيرة والفتاكة…

وكل هذه الحالات تتميز بكونها طارئة ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل توقعها، وهو ما يجعل تدبيرها والتعامل معها ومع ما تسفر عنه من نتائج يتم بطرق غير عادية درءا للمخاطر وحماية لمصلحة الأفراد ومصلحة المجتمع.

ولتمكين الدولة من معالجة وتجاوز هذه المخاطر غير المتوقعة، ظهرت مجموعة من النظريات التي تقر بأحقية السلطات العمومية وخصوصا السلطة التنفيذية في اللجوء لاعتماد تدابير استثنائية لمواجهة الأوضاع والمخاطر الطارئة.

وقد يترتب عن السلطات الاستثنائية التي تتولى ممارستها السلطة التنفيذية خلال الحالات العادية، تقييد لبعض الحقوق والحريات، وهذا ما يطرح إشكالية رئيسية تتعلق بكيفيات تحقيق التوازن خلال الحالات غير الاعتيادية بين تدابير ممارسة السلطة اللازمة للحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها ومصالحها من جهة وبين حماية الحقوق والحريات الأساسية من جهة ثانية.

وفي سبيل تحقيق هذا التوازن، عمل المشرع الدستوري في مجموعة من الأنظمة الدستورية على وضع مجموعة من الضوابط الشكلية والشروط الموضوعية لإعلان حالة الاستثناء أو الضرورة، وما يفرضه ذلك من ضمان للحقوق والحريات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية للدولة المعنية.

كما قد يترتب على إعلان غير عادية في دولة ما بما فيها حالة الطوارئ الصحية، اتخاذ تدابير استثنائية لتدبير وسير مجموعة من المؤسسات بما فيها بعض المؤسسات الدستورية كالبرلمان والحكومة والسلطة القضائية والجماعات الترابية…

وبكل تأكيد فمجموع الإجراءات المتخذة خلال حالة الطوارئ الصحية سواء منها المتعلقة بسير المؤسسات وممارستها لصلاحياتها وكيفيات اتخاذه لقراراتها أو آثارها على منظومة الحقوق والحريات وإن كانت ضرورية فإنها تطرح سؤال الشرعية والمشروعية. وفي جميع الدول الديمقراطية والتي تحترم مبدأ سيادة القانون يجب أن تولي أهمية قصوى لمبدأي الشرعية والمشروعية وذلك تفاديا لكل تداخل في ممارسة السلطات أو مساس بالحقوق والحريات.

وفي جميع دول العالم التي أعلنت حالة الطوارئ الصحية عقب ظهور وانتشار فيروس كورونا- كوفيد 19، قام البرلمان بدور في غاية الأهمية وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. ففي بعض الدول تم الإعلان عن حالة الطوارئ والتمديد لها بمقتضى قانون تنظيمي[1]، وفي دول أخرى تم الإعلان عن الإجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة في البرلمان.

أما في المغرب، فقد قامت مجموع السلطات العمومية بممارسة صلاحياتها طبقا للوثيقة الدستورية والتوجيهات الملكية. فالحكومة وبتعليمات ملكية قامت باتخاذ مجموعة من التدابير التي تقتضيها مواجهة الجائحة، كما أن البرلمان مارس اختصاصاته الدستورية في ظل حالة الطوارئ الصحية.

وقد أثيرت العديد من الإشكاليات والأسئلة المتعلقة بممارسة البرلمان لوظائفه الدستورية خلال حالة الطوارئ الصحية، منها ما يتعلق بمدى دستورية انعقاد البرلمان في ظل هذه الحالة، ومنها ما يتعلق بكيفيات تنظيم العمل البرلماني خلال هذه الحالة، ومنها ما يتعلق بطبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية خلال حالة الطوارئ الصحية وبكيفيات ومدى تواصله خلال هذه المرحلة. ولتسليط الضوء بشكل جلي على مجموع الإشكاليات المثارة بخصوص ممارسة البرلمان لاختصاصاته الدستورية خلال حالة الطوارئ الصحية، وبغية تقديم أجوبة عن مجموع الأسئلة المثارة في هذا الخصوص، سنتولى من خلال هذه الورقة، دراسة وتحليل دور السلطة التشريعية خلال الحالات غير العادية بما فيها حالة الطوارئ الصحية.


[1]– التجربتين الفرنسية والإسبانية على سبيل المثال.