افتتاح البرلمان قبل اكتمال تشكيل الحكومة:قراءة في الآثار الدستورية والسياسية

يثير اقتراب افتتاح الدورة البرلمانية الأولى، بينما لا تزال مشاورات تشكيل الحكومة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية لسنة 2026 جارية، سؤالا يتجاوز مجرد إمكانية انعقاد البرلمان إلى شروط انتظام عمله خلال المرحلة الانتقالية. فالدستور يضبط موعد افتتاح الدورة البرلمانية الأولى سلفا، لكنه لا يحدد أجلا مماثلا لاستكمال تشكيل الحكومة. ويتقاطع، تبعا لذلك، الزمن البرلماني المحدد بنص الدستور مع الزمن السياسي الذي تتوقف مدته على مسار التفاوض بين الأحزاب وإتمام إجراءات التعيين والتنصيب.

يبحث هذه المقال الإشكالية الآتية: إلى أي حد يسمح الإطار الدستوري باستمرار العمل البرلماني قبل اكتمال المسار الحكومي، وما القيود التي يفرضها هذا الوضع على تنظيم مجلس النواب ووظائفه وعلى تدبير الاستحقاقات المالية؟ إذ لا يكفي مرور أيام قليلة على تعيين رئيس الحكومة لوصف هذا المسار بالتعثر. وعليه، ينطلق هذ المقال من فرضية محايدة مؤداها عدم اكتمال تشكيل الحكومة عند حلول موعد افتتاح البرلمان، دون افتراض انسداد سياسي أو استباق مآل المشاورات.

ويعتمد المقال قراءة مترابطة للدستور والقوانين التنظيمية والنظام الداخلي لمجلس النواب والاجتهاد الدستوري، مع الاستئناس بالممارسة الدستورية والسياسية بالمغرب. وتقوم على تمييز أساسي بين استمرارية المؤسسات، وهي مضمونة قانونا، وبين انتظام العلاقة الدستورية في صورتها العادية بين حكومة كاملة الصلاحيات ومجلس نواب مستكمل الهياكل، في ظل أغلبية سياسية تسند الحكومة ومعارضة تمارس حقوقها الدستورية. وتستعمل تجربة 2016-2017 لاستخلاص دلالات محددة، لا باعتبارها نموذجا حتميا يتكرر في كل انتقال حكومي.

أولا: استقلال موعد افتتاح البرلمان عن مراحل تشكيل الحكومة

حدد الفصل 65 من دستور 2011 افتتاح الدورة البرلمانية الأولى يوم الجمعة الثانية من أكتوبر، وأسند إلى الملك رئاسة افتتاحها. ولا يربط هذا الموعد بإعلان التحالف الحكومي أو بتعيين أعضاء الحكومة أو بحصولها على ثقة مجلس النواب. وعليه، فإن حلول موعد الافتتاح قبل اكتمال تشكيل الحكومة لا يشكل مانعا دستوريا لانعقاد البرلمان، كما لا ينشئ في ذات الآن سببا لتأجيل الافتتاح إلى حين انتهاء المشاورات.[1]

يقتضي فهم هذه النتيجة التمييز بين ثلاث لحظات دستورية متعاقبة: تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي المتصدر لانتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها؛ وتعيين أعضاء الحكومة من طرف الملك باقتراح من رئيس الحكومة؛ ثم تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ومناقشته في كلا المجلسين، قبل التصويت عليه في مجلس النواب. وطبقا للفصل 88، لا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.[2]

وبذلك لا يتطابق التعيين الملكي لرئيس الحكومة، ولا حتى تعيين أعضاء الحكومة، مع لحظة التنصيب البرلماني. كما أن الإعلان السياسي عن أغلبية حكومية محتملة لا يقوم مقام أي من هاتين المرحلتين. وهذه الفوارق مهمة لأن الوضع القانوني للسلطة التنفيذية يختلف بحسب ما إذا كنا أمام حكومة منتهية مهامها، أو أمام حكومة جديدة عُين أعضاؤها ولم تنصب بعد، أو أمام حكومة استكملت شروط التنصيب وأصبحت مسؤولة سياسيا بصورة كاملة أمام البرلمان.

ثانيا: تنظيم مجلس النواب بين الاستقلال القانوني والتداخل السياسي

يثير تنظيم مجلس النواب، خلال مرحلة لم تتضح فيها بعد بصورة نهائية خريطة الأغلبية الحكومية والمعارضة، تداخلا بين استقلال المجلس في بناء أجهزته وفق أحكام الدستور والنظام الداخلي، وبين الاعتبارات السياسية التي تؤثر عمليا في توزيع المسؤوليات داخله. ويظهر هذا التداخل أساسا عند انتخاب أجهزة المجلس وتحديد مواقع الأغلبية والمعارضة.

1- انتخاب الرئيس وبناء أجهزة المجلس:

ينص الفصل 62 من الدستور على انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها في مستهل الفترة النيابية، ثم في سنتها الثالثة عند دورة أبريل. ويستمد المجلس، تبعا لذلك، صلاحية تنظيم نفسه من الدستور والنظام الداخلي، دون حاجة إلى موافقة الحكومة أو إلى سبق تنصيبها. كما ينبغي التمييز بين الجلسة الملكية لافتتاح الدورة وبين الجلسة الخاصة بانتخاب رئيس مجلس النواب، إذ لكل منهما موضوعها وإجراءاتها وسندها القانوني.[3]

غير أن استقلال الاختصاص لا يعني إمكان استكمال جميع الأجهزة بمعزل عن قواعد التمثيل. فالفصل 62 يوجب انتخاب أعضاء المكتب على أساس التمثيل النسبي لكل فريق، كما يكفل الدستور للمعارضة حقوقا خاصة في العمل البرلماني، ويؤطر النظام الداخلي توزيع بعض المواقع والمهام على أساس صفة الأغلبية أو المعارضة. كما ينص النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2025 على عقد جلسة انتخاب أعضاء المكتب داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أيام من تاريخ انتخاب رئيس المجلس؛ لذلك لا يصح تقديم انتخاب الرئيس واستكمال المكتب باعتبارهما مرحلتين يمكن الفصل بينهما إلى أجل سياسي مفتوح.[4]

ويظهر الترابط بين المسارين من زاوية أخرى: فاستكمال مسطرة التنصيب الحكومي يفترض وجود مجلس نواب منظم بما يسمح بتقديم البرنامج الحكومي ومناقشته والتصويت عليه. ومن غير المنسجم دستوريا جعل تنظيم المجلس مشروطا بالتنصيب الحكومي، ثم جعل التنصيب نفسه متوقفا على اكتمال تنظيم المجلس. أما اشتراط إعلان الأغلبية الحكومية سياسيا قبل انتخاب رئيس مجلس النواب فلا يستند إلى مقتضى دستوري صريح، وإن كان قد يمثل خيارا سياسيا لتنسيق التصويت وتوزيع المسؤوليات داخل المجلس.

2- تحديد الأغلبية والمعارضة

لا تتطابق الأغلبية التي تنتخب رئيس مجلس النواب بالضرورة مع الائتلاف الذي سيشارك في الحكومة. فقد تنتج الأولى عن توافق مؤسساتي أو عن تفاهم محدود الغرض، بينما تقوم الأغلبية الحكومية على التزام ببرنامج سياسي وعلى مشاركة في تحمل المسؤولية التنفيذية. لذلك لا يجوز استنتاج الخريطة النهائية للتحالف الحكومي من تصويت واحد داخل المجلس، كما لا ينبغي تحويل كل اختلاف في التصويت إلى دليل على غياب الانسجام المؤسساتي.

مع ذلك، قد يؤدي عدم وضوح تموقع بعض الأحزاب إلى صعوبات عملية عند توزيع المواقع التي يرتبط شغلها بصفة الأغلبية أو المعارضة. فالمطلوب ليس حسم تفاصيل الحقائب الوزارية قبل تنظيم المجلس، وإنما توفر قدر كاف من الوضوح المعلن في تموقع الأحزاب يسمح بإعمال قواعد التمثيل وحقوق المعارضة من دون أن تتحول التفاهمات السياسية إلى سبب لتعليق حقوق دستورية أو توزيعها على أساس توقعات غير معلنة.

وتقدم تجربة 2016-2017 مثالا على هذا التداخل دون أن تنشئ قاعدة قانونية عامة. فقد افتتحت الولاية التشريعية في أكتوبر 2016، في وقت كانت فيه مشاورات تشكيل الحكومة مستمرة؛ ولم ينتخب الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب إلا في 16 يناير 2017، ثم جرى في اليوم التالي انتخاب أعضاء المكتب ورؤساء اللجان والإعلان عن رؤساء الفرق والمجموعات، قبل أن يصادق المجلس في 18 يناير 2017 بالإجماع على مشروع القانون الموافق بموجبه على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي. وتبين هذه الوقائع أن المفاوضات السياسية قد تؤثر في انتظام عمل المجلس، لكنها لا تنشئ حظرا دستوريا على تنظيمه أو ممارسته للتشريع متى استوفت أجهزته وإجراءاته الشروط القانونية.[5]

ثالثا: استمرارية السلطة التنفيذية وحدود تصريف الأمور الجارية

تطرح المرحلة الفاصلة بين انتهاء مهام الحكومة السابقة وتنصيب الحكومة الجديدة مسألة استمرارية السلطة التنفيذية وحدود صلاحياتها خلال هذه الفترة. ويقتضي ذلك التمييز بين الوضعيات القانونية التي قد تعرفها الحكومة، ثم تحديد نطاق تصريف الأمور الجارية وما قد تبرره حالة الضرورة من استثناءات.

1- وضعيتان قانونيتان متمايزتان

لا يؤدي عدم اكتمال تشكيل الحكومة الجديدة إلى غياب السلطة التنفيذية. فالفصل 47 من الدستور يقرر استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل حكومة جديدة، بينما أحال الفصل 87 إلى قانون تنظيمي تحديد القواعد المتعلقة بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والقواعد الخاصة بتصريف الأمور الجارية. وقد تولى القانون التنظيمي رقم 065.13 تفصيل هذه المرحلة والتمييز بين الحكومة المنتهية مهامها والحكومة الجديدة التي عين أعضاؤها ولم تنصب بعد.[6]

فالمادة 37 من القانون التنظيمي المذكور تعرف تصريف الأمور الجارية بأنه اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها وانتظام سير المرافق العمومية. وفي المقابل، تستبعد من هذا المجال، من حيث الأصل، التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، ولا سيما المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا.

أما إذا عُين أعضاء الحكومة الجديدة قبل تنصيبها، فإن المادة 38 تسند إليها إعداد البرنامج الحكومي الذي سيعرضه رئيس الحكومة أمام البرلمان، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية، فضلا عن ممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37 إلى حين تنصيبها. ومن ثم، لا يستمر وضع الحكومة السابقة بالضرورة إلى تاريخ التصويت على البرنامج؛ إذ قد تنتقل بعض مهام الاستمرارية إلى الحكومة الجديدة المعينة قبل حصولها على الثقة.[7]

2- الضرورة استثناء مضبوط وليست عودة إلى الولاية الكاملة

لا ينبغي قراءة القيود الواردة في المادة 37 باعتبارها منعا مطلقا لا يرد عليه استثناء. فقد قرر المجلس الدستوري في قراره رقم 15/955، عند فحص القانون التنظيمي رقم 065.13، أن استبعاد التدابير الملزمة للحكومة المقبلة ليس فيه ما يخالف الدستور، مع وجوب مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها. غير أن هذا الاستثناء لا يعني استعادة الحكومة المنتهية مهامها كامل صلاحيات حكومة ذات ولاية سياسية؛ بل يظل مرتبطا بوجود ضرورة حقيقية وبمدى اتصال التدبير المطلوب بها وحدوده الزمنية والموضوعية.[8]

وبذلك لا يكفي وصف مشروع أو قرار بأنه مهم أو مستعجل سياسيا لإدخاله ضمن الضرورة. وينبغي، عند كل حالة، فحص طبيعة الإجراء وأثره ومدى إمكان تأجيله، وما إذا كان الغرض منه ضمان الاستمرارية أو الشروع في اختيار سياسي جديد يفترض تحمل الحكومة المقبلة مسؤوليته. وتفيد الأدبيات المقارنة في إبراز صعوبة رسم حد جامد بين العمل الجاري والقرار السياسي، غير أن المرجع الحاسم في الحالة المغربية يظل هو النص الدستوري والقانون التنظيمي والاجتهاد الدستوري الوطني.[9]

رابعا: ممارسة التشريع والرقابة خلال المرحلة الانتقالية

لا يترتب على المرحلة الانتقالية توقف الوظائف الدستورية للبرلمان، غير أن ممارستها قد تتأثر بطبيعة الوضع الحكومي القائم وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية. ويظهر ذلك بصورة خاصة في ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابة البرلمانية، وما تثيرانه من إشكالات قانونية وعملية خلال هذه المرحلة.

1- استمرار الاختصاص التشريعي مع قيود عملية

لا يتضمن الدستور قاعدة تعلق سلطة البرلمان في التشريع إلى حين تنصيب الحكومة. فالفصل 70 يسند ممارسة السلطة التشريعية إلى البرلمان، ويمنح الفصل 78 حق المبادرة بالقوانين لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان، كما يضمن الفصل 82 زمنا مخصصا لدراسة مقترحات القوانين. ويظل مجلس النواب قادرا، متى استكمل تنظيم أجهزته واحترمت المساطر، على دراسة النصوص المعروضة عليه والتصويت عليها.[10]

لكن استمرار الاختصاص لا يعني أن العملية التشريعية تجري في ظروفها المعتادة. فالحكومة طرف مركزي في التشريع، سواء من خلال مشاريع القوانين أو المشاركة في المناقشة والتعديل أو ما يترتب عن مقتضيات التوازن المالي وتحديد أولويات جدول الأعمال. كما أن حكومة تصريف الأمور الجارية مقيدة، من حيث الأصل، في اعتماد مشاريع قوانين جديدة تحمل اختيارات سياسية ممتدة، ما لم تبررها حالة الضرورة بالمعنى الذي حدده الاجتهاد الدستوري.

ولهذا ينبغي تجنب الحكم المجرد بأن التشريع إما متوقف كليا أو متاح بلا قيد. فالتصويت على نص ارتبط بضرورة مؤسساتية أو التزام سابق يختلف عن إطلاق إصلاح تشريعي واسع يعكس برنامج الحكومة المقبلة. وتدعم ممارسة يناير 2017 هذا التمييز: إذ صادق مجلس النواب، بعد تنظيم أجهزته، على مشروع القانون المتعلق بالاتحاد الإفريقي في ظرف كانت فيه مسألة تشكيل الحكومة لم تستكمل بعد.[11]

2- الرقابة لا تختزل في إثارة المسؤولية السياسية

تتطلب الوظيفة الرقابية تمييزا بين الأدوات الرامية إلى الحصول على المعلومات وتتبع التدبير وبين الآليات التي تثير المسؤولية السياسية الجماعية للحكومة. فالدستور ينظم الأسئلة الموجهة إلى رئيس الحكومة وأعضائها، كما ينظم طلب الثقة وملتمس الرقابة وما يترتب عليهما من آثار على بقاء الحكومة. ومن ثم، فإن انتهاء مهام الحكومة لا يؤدي، في ذاته، إلى سقوط الوظيفة الرقابية للبرلمان أو الأدوات التي تتلاءم مع طبيعة الأعمال التي تستمر السلطة التنفيذية في مباشرتها، وإن كانت بعض آليات المسؤولية السياسية تفقد جزءا من معناها العملي تجاه حكومة انتهت مهامها أصلا وتباشر اختصاصات انتقالية محدودة.[12]

ويظل تفعيل كل أداة خاضعا لسندها وإجراءاتها، مع ضرورة ربط موضوع الرقابة بالأعمال التي تمارسها الحكومة فعلا. فالأسئلة المرتبطة باستمرارية المرافق أو بالتدابير الإدارية المستعجلة تظل مختلفة، في طبيعتها، عن مساءلة حكومة انتقالية عن تنفيذ برنامج سياسي جديد لا تملك ولاية كاملة بشأنه. وكلما امتدت المرحلة الانتقالية، تعاظمت الحاجة إلى شفافية القرارات وبيان أساس الاستعجال والضرورة، حتى لا يؤدي تقلص مجال المسؤولية السياسية العادية إلى توسع غير مبرر في ممارسة السلطة.

خامسا: قانون المالية بين انتظام المسطرة وضمان الاستمرارية

يبرز قانون المالية باعتباره من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة الانتقالية، لما يجمعه من آجال قانونية ملزمة واختيارات مالية ذات أثر سياسي مباشر. ويقتضي ذلك بحث حدود تدخل الحكومة في إعداد المشروع وإيداعه، ثم بيان الآليات التي يتيحها النظام القانوني لضمان الاستمرارية المالية عند تعذر استكمال المسطرة في آجالها العادية.

1- أجل الإيداع وحدود سلطة الحكومة

يمثل مشروع قانون المالية أبرز نقطة التقاء بين الزمنين الحكومي والبرلماني. فالتوجهات العامة للمشروع تعرض على المجلس الوزاري وفقا للفصل 49، ويتداول مجلس الحكومة في مشروع قانون المالية طبقا للفصل 92، ويتولى الوزير المكلف بالمالية إعداد المشروع تحت سلطة رئيس الحكومة. وتحدد المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 يوم 20 أكتوبر آخر أجل لإيداع مشروع قانون المالية للسنة المالية الموالية بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب؛ وهو أجل مقرر بقانون تنظيمي ومؤكد في النظام الداخلي لمجلس النواب.[13]

ولا يوقف استمرار المشاورات الحكومية هذا الأجل من تلقاء نفسه. كما أن إعداد مشروع قانون المالية ليس عملا ينشأ في الأيام الفاصلة بين تعيين رئيس الحكومة وافتتاح البرلمان، بل هو مسار إداري ومالي يمتد أشهرا. لذلك ينبغي التمييز بين الإعداد التقني والإداري للمشروع، وبين اعتماد الاختيارات النهائية والتداول فيها وإيداع المشروع والدفاع عنه سياسيا أمام البرلمان. فإذا بقيت الحكومة المنتهية مهامها عند اقتراب الأجل، وجب الجمع بين القيود الواردة في المادة 37 من القانون التنظيمي 065.13 وبين استثناء الضرورة كما فسره المجلس الدستوري، دون افتراض استحالة كل تدخل مالي أو، في المقابل، إطلاق يد حكومة تصريف الأمور الجارية في رسم جميع الخيارات المالية للحكومة المقبلة.

وتؤكد التجربة العملية أن الإعداد المالي قد يسبق لحظة الانتقال السياسي. ففي سنة 2016 صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية لسنة 2017 في 4 أكتوبر، وأودع المشروع لدى مجلس النواب في 6 أكتوبر، أي قبل الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 أكتوبر. غير أن المشروع لم يحل إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية إلا في 27 أبريل 2017 بعد تشكيل الحكومة الجديدة، ثم استؤنفت مسطرته البرلمانية. وبذلك لا تصلح هذه السابقة دليلا على أن حكومة تصريف الأمور الجارية أنشأت من البداية ميزانية جديدة بعد الانتخابات، وإنما تكشف عن حالة مشروع اعتمد وأودع سلفا، ثم تأثر استكمال مسطرته بالمرحلة الانتقالية.[14]

2- نهاية السنة المالية تختلف عن مجرد فوات أجل الإيداع

يفرق القانون بين أجل إيداع مشروع قانون المالية وبين وضع عدم التصويت عليه عند نهاية السنة. فالفصل 75 من الدستور والمادة 50 من القانون التنظيمي لقانون المالية ينصان، إذا لم يتم في 31 دجنبر التصويت على قانون المالية للسنة أو لم يصدر الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية، على إمكان فتح الحكومة بمرسوم الاعتمادات الضرورية لسير المرافق العمومية والقيام بمهامها، على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة على الموافقة، مع استمرار استخلاص المداخيل وفق القواعد القانونية القائمة.[15]

ولا تعالج هذه الآلية تلقائيا مجرد تجاوز تاريخ 20 أكتوبر، كما لا تشكل ترخيصا مسبقا بإهمال أجل الإيداع. فهي مرتبطة بشروط نهاية السنة وبوجود ميزانية معروضة على الموافقة، ولا تقوم مقام الإقرار البرلماني النهائي لقانون المالية. لذلك تظل الأولوية هي احترام الأجل والمسار العادي قدر الإمكان، مع اللجوء إلى آليات الاستمرارية فقط متى تحققت شروطها القانونية.

سادسا: غياب أجل دستوري لتشكيل الحكومة وتعدد المخرجات الممكنة

يثير امتداد مشاورات تشكيل الحكومة سؤالا حول الحدود الزمنية التي يضعها الدستور لهذه المرحلة، وما قد يترتب عن استمرارها من نتائج مؤسساتية. ويقتضي ذلك التمييز بين غياب أجل دستوري صريح للتشكيل، وبين تعدد المخرجات السياسية والدستورية الممكنة بحسب تطور المشاورات وقدرة رئيس الحكومة المعين على بناء أغلبية برلمانية.

لا يحدد دستور 2011 أجلا معينا يجب على رئيس الحكومة المعين أن يستكمل داخله تشكيل الحكومة. ولذلك فإن حلول موعد افتتاح البرلمان، أو مرور مدة معينة على بدء المشاورات، لا يرتب تلقائيا سقوط تعيين رئيس الحكومة ولا حل مجلس النواب ولا الدعوة إلى انتخابات جديدة. فحل مجلس النواب له أسسه وإجراءاته الدستورية الخاصة، ولا يجوز استنتاجه من مجرد امتداد المشاورات ما لم تتحقق شروطه وفق النصوص المنظمة له.[16]

وتظل تجربة 2016-2017 مهمة لفهم إمكانات الممارسة من دون تحويلها إلى مسطرة دستورية مفروضة. فقد امتدت مشاورات تشكيل الحكومة أشهرا بعد انتخابات أكتوبر 2016، قبل أن يعين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة في 17 مارس 2017، وهو من الحزب نفسه المتصدر للانتخابات، ثم عُينت الحكومة في 5 أبريل، وقدم برنامجها إلى البرلمان في 19 أبريل، وحصلت على ثقة مجلس النواب في 26 أبريل منه. وتظهر هذه السابقة وجود مخارج سياسية ودستورية للمراحل الممتدة، لكنها لا تنشئ أجلا قانونيا ثابتا ولا ترتب حكما تلقائيا واجب التكرار في كل حالة مشابهة.[17]

كما أن عدم حصول حكومة معينة على الأغلبية المطلوبة للتصويت على البرنامج يمنع تحقق تنصيبها وفقا للفصل 88، لكنه لا يفضي، بموجب هذا الفصل وحده، إلى حل آلي لمجلس النواب. ويظل البحث عن المخرج مرتبطا بالمقتضيات المنظمة لتعيين الحكومة وبإمكان بناء تأييد برلماني لها، مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة. ومن ثم، ينبغي التمييز دائما بين الصعوبة السياسية في تكوين أغلبية وبين النتائج القانونية التي يرتبها النص الدستوري صراحة.

يتيح الإطار الدستوري المغربي افتتاح البرلمان قبل اكتمال تشكيل الحكومة، ويضمن استمرارية السلطة التنفيذية دون انقطاع. غير أن انتظام الافتتاح لا يعني بالضرورة انتظام جميع الوظائف بالوتيرة السياسية والمؤسساتية المعتادة. فتنظيم مجلس النواب يستلزم احترام التمثيل النسبي وحقوق المعارضة والآجال الداخلية، والعمل التشريعي يتأثر بحدود المبادرة الحكومية في مرحلة تصريف الأمور الجارية، والرقابة تقتضي التمييز بين تتبع التدبير وبين آليات إثارة المسؤولية السياسية، بينما يخضع مشروع قانون المالية لآجال وضمانات لا تعلقها المشاورات الحكومية.

وعليه، فإن السؤال المركزي عند افتتاح البرلمان ليس ما إذا كان المجلس يستطيع الانعقاد في غياب حكومة جديدة منصبة، فذلك محسوم دستوريا، وإنما مدى قدرته على استكمال هياكله وممارسة وظائفه مع احترام القواعد الدستورية، ومدى قدرة السلطة التنفيذية الانتقالية على ضمان الاستمرارية من دون تجاوز الحدود التي تفرضها طبيعة تصريف الأمور الجارية. والمدخل الأكثر اتساقا مع روح الدستور هو مواصلة الإجراءات البرلمانية في مواعيدها وقواعدها، وتبرير كل تدخل حكومي استثنائي على أساس الضرورة، ثم العمل على استكمال التشكيل والتنصيب بما يعيد العلاقة العادية بين حكومة مسؤولة وأغلبية تسندها وبرلمان يمارس وظائفه كاملة.


[1] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 30 يوليوز 2011.

[2] الفصول 47 و88 من دستور 2011، حيث ينص الفصل 88 على أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي.

[3] دستور 2011، الفصل 62؛ وانظر أيضا مجلس النواب، النظام الداخلي لسنة 2025، الباب الثالث المتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب.

[4] مجلس النواب، النظام الداخلي بعد صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 256/25 بتاريخ 4 غشت 2025، المادتان 54 و55؛ ودستور 2011، الفصلان 10 و62.

[5] مجلس النواب، «كلمة السيد الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب بمناسبة انتخابه»، 16 يناير 2017؛ مجلس النواب، «انتخاب أعضاء المكتب ورؤساء اللجان النيابية والإعلان عن رؤساء الفرق والمجموعات النيابية»، 17 يناير 2017؛ مجلس النواب، جلسة عمومية للدراسة والتصويت على مشروع القانون رقم 01.17، 18 يناير 2017.

[6] دستور 2011، الفصلان 47 و87؛ والقانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.33 بتاريخ 19 مارس 2015، الجريدة الرسمية عدد 6348، 2 أبريل 2015، المواد 36 و37 و38.

[7] القانون التنظيمي رقم 065.13، المادة 38. وتؤكد المادة 3 أن الحكومة تمارس مهامها بعد تنصيبها من قبل مجلس النواب، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالفترة السابقة للتنصيب.

[8] المجلس الدستوري، قرار رقم 955/15، ملف عدد 15/1412، بتاريخ 4 مارس 2015، التعليل المتعلق بالمادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13.

[9] Fernand Bouyssou, « L’introuvable notion d’affaires courantes : l’activité des gouvernements démissionnaires sous la Quatrième République », Revue française de science politique, vol. 20, n° 4, 1970, pp. 645-680.

[10] دستور 2011، الفصول 70 و77 و78 و82 و84.

[11] مجلس النواب، محضر جلسة 18 يناير 2017، الدراسة والتصويت على مشروع القانون رقم 01.17 الموافق بموجبه على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي؛ تمت المصادقة بالإجماع.

[12] دستور 2011، الفصول 100 و103 و105. ويجب التمييز بين آليات الاستعلام والمتابعة وبين الآليات التي ترتب آثارا مباشرة على المسؤولية السياسية للحكومة.

[13] دستور 2011، الفصلان 49 و92؛ القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.62 بتاريخ 2 يونيو 2015، الجريدة الرسمية عدد 6370، 18 يونيو 2015، المادتان 46 و48؛ النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2025، المادة 216.

[14] مجلس المستشارين، تقرير لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية حول مشروع قانون المالية برسم سنة 2017، فقرة «تذكير بمراحل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2017»؛ ومجلس النواب، بطاقة مشروع قانون المالية رقم 73.16 للسنة المالية 2017: الإحالة على المجلس في 6 أكتوبر 2016 والإحالة على لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في 27 أبريل 2017.

[15] دستور 2011، الفصل 75؛ القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، المادة 50.

[16] دستور 2011، لا سيما الفصول 47 و51 و96 إلى 98 و104. لا يتضمن الفصل 47 أجلا محددا لتشكيل الحكومة، فيما يخضع حل مجلس النواب لأسس وإجراءات دستورية خاصة بحسب الجهة التي تباشر الحل.

[17] تقديم البرنامج الحكومي يوم 19 أبريل 2017 والتصويت عليه طبقا للفصل 88 في 26 أبريل 2017.