إذا كانت الهندسة الدستورية، في أبعادها النصية المكتوبة، تتسم بنوع من الجمود النظري الذي يطبع الوثائق القانونية، فإن الممارسة السياسية تظل المتغير الديناميكي والأداة الحيوية التي تحدد كنه تنزيل تلك النصوص على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش الدائر حول الفصل 47 من الدستور المغربي 2011 كنموذج حي لإشكالية التداخل البنيوي بين النص المكتوب والممارسة المؤسساتية؛ فبينما يمنح منطوق هذا الفصل للملك سلطة تقديرية في تعيين رئيس الحكومة من داخل الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب دون تقييده بصفة تنظيمية أو قيادية محددة، سارت الممارسة السياسية والمؤسساتية بثبات نحو اختيار رأس الهرم التنظيمي (الأمين العام) للحزب الفائز. ومع المستجدات السياسية التي أفرزتها محطة سبتمبر 2026، يتجدد السؤال القانوني وبإلحاح حول شروط تحول هذا التكرار الإجرائي إلى “عرف دستوري” ملزم، ومدى خضوع سلطة التعيين لمقتضيات الوثيقة المكتوبة وحدها، أو لقواعد غير مكتوبة فرضتها التوازنات الحزبية وتطورات المسار الديمقراطي المؤطر بنتائج صناديق الاقتراع.
أولا: الشروط الفقهية لتشكل العرف الدستوري وتطبيقاتها في الحالة المغربية
لا ينشأ العرف الدستوري (Coutume constitutionnelle) عبر أداة تشريعية إرادية أو نص مكتوب، بل يتشكل تدريجيا عبر التواتر السلوكي للمؤسسات الدستورية. وفي الفقه القانوني المعاصر، لا تكتسب الممارسة السياسية صفة “الإلزامية” لتصبح قاعدة قانونية غير مكتوبة إلا باستجماع ركيزتين متكاملتين:
- الركن المادي (L’élément matériel : La coutume constante):
ويقصد به استقرار سلوك المؤسسات الدستورية وتطبيقه بصورة متماثلة، مطردة، ومستمرة عند نشوء الواقعة القانونية ذاتها. وجدير بالذكر أن هذا النقاش الإجرائي لم يكن له محل في ظل المنظومات الدستورية السابقة (منذ وثيقة 1962 إلى تعديل 1996)؛ إذ كانت الوثيقة المكتوبة تكفل للملك سلطة تقديرية مطلقة في تعيين “الوزير الأول” دون أي ارتباط خطي بنتائج صناديق الاقتراع، وهو ما تجسد تاريخيا في تعيين شخصيات من خارج المشهد الحزبي المتصدر (تجربة إدريس جطو عام 2002 نموذجا).
بناء على ذلك، شكل الفصل 47 من دستور 2011 منعطفا دستورتيا حاسما بفرضه قيدا انتخابيا يحصر التعيين في الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية. منذ هذا التعديل، لم تقف الممارسة عند حدود الحزب، بل تطورت “ماديا” وبشكل مطرد نحو حصر التعيين في الأمين العام للحزب. وحتى في لحظات الاختبار العسير لهذا العرف، كأزمة تشكيل الأغلبية الحكومية عام 2017 (إعفاء عبد الإله بنكيران)، فإن التدبير الملكي للمؤسسات لم يتجاوز الهيكل الحزبي المتصدر، بل اتجه التعيين نحو الشخصية الثانية في التراتبية الحزبية (سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للحزب آنذاك)؛ ويُفسر هذا الإجراء فقهيا بأنه “تطور مرن للعرف الدستوري” غايته تفادي الانسداد المؤسساتي (Blocage institutionnel) دون الانقلاب على القاعدة الأصلية. وهو المسار الذي تأكد وتكرس في محطة 2021، وامتد بثبات واستقرار ليجد تصريفه الدستوري في انتخابات سبتمبر 2026، مما يمنح الركن المادي صفة الديمومة والاستقرار.
- الركن المعنوي (L’élément moral : L’opinio juris):
يمثل هذا الركن المحدد الفاصل والشرط الشارح للفرق بين العرف الدستوري الملزم ومجرد العادات أو المجاملات السياسية (Mœurs ou pratiques politiques)، إذ لا يكفي التكرار الآلي، بل يستلزم ذلك تولد عقيدة وقناعة قانونية راسخة لدى الفاعلين المؤسساتيين (المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية) والمحيط الفقهي بأن هذا التوجه أضحى قيدا دستوريا واجبا الاتباع، وأن أي حياد عنه يمثل نكوصا عن التأويل الديمقراطي للمشروعية الدستورية. هذا الشعور بالإلزام هو الذي ينقل الممارسة من دائرة الملاءمة السياسية (Opportunité politique) إلى مرتبة القاعدة الدستورية المكملة
(Règle constitutionnelle supplétive).
وتأسيسا على هذا المنظور الفقهي، فإن وظيفة العرف الدستوري هنا لا تكمن في تعديل أو إلغاء النص الصريح للفصل 47، بل في تفسير الغموض وملء الفراغات المعيارية التي تتركها الوثيقة المكتوبة عمدا لمرونة الممارسة. وتطبيقا على الحالة المغربية، يرتكز هذا الطرح على فكرة تحول تواتر تعيين قادة الأحزاب المتصدرة إلى محدد هيكلي يربط الشرعية الانتخابية بالمسؤولية السياسية، ويمنع أي تأويل تراجعي قد يعيد إنتاج حكومات “التكنوقراط”، مما يفرز قواعد غير مكتوبة تعزز البناء الديمقراطي وتؤصل لمنطق التداول الحقيقي على السلطة التنفيذية.
ثانيا: “حرفية النص” ومأسسة “الممارسة العرفية“
تظهر الإشكاليات القانونية والسياسية الكبرى دائما في المساحات الفاصلة بين الحرفية الجامدة للنصوص الدستورية المكتوبة، وبين مقتضيات الواقع العملي وتوازناته الحية. ويشكل الفصل 47 من الدستور المغربي لسنة 2011 نموذجا بارزا لهذه الجدلية؛ فالصياغة اللغوية للمقتضى تتسم بالوضوح والدقة، حيث تلزم الملك بتعيين رئيس الحكومةمن الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.
من الناحية الفقهية المحضة، يُلاحظ أن المشرع الدستوري قد تجاوز في هذا النص الصريح أي إشارة إلى الصفة التنظيمية للمُعَيَّن داخل الهيكل الحزبي (كالأمين العام، رئيس الحزب، أو المنسق الوطني)، مما يمنح المؤسسة الملكية، من الناحية النظرية الصرفة، سلطة تقديرية واسعة لاختيار أي شخصية تنتمي إلى التنظيم الحائز على الصدارة وفقا للمصلحة العامة. غير أن القراءة الدستورية للمرحلة التي تلت وثيقة 2011 تكشف عن اتجاهين فقهيين متقابلين في تفسير هذا المسار:
- أطروحة العرف الدستوري
يستند الاتجاه الفقهي المدافع عن تشكل العرف الدستوري (وهو التوجه المنسجم مع العمق الديمقراطي للوثيقة الدستورية) إلى قراءة كرونولوجية متأنية للمحطات الانتخابية المتعاقبة التي تلت عام 2011، مصنفا إياها إلى محطات تراكمية أسست للقاعدة وثبتتها:
- مرحلة التأسيس السلوكي (2011–2016) تدشنت بتعيين عبد الإله بنكيران بصفته أمينا عاما للحزب المتصدر، مما أوجد سابقة إجرائية ربطت رئاسة الحكومة برأس الهرم التنظيمي. وحتى عند حلول أزمة عام 2017، فإن إعفاء بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني (رئيس المجلس الوطني للحزب آنذاك) لم يكن قطعا للمسار بقدر ما كان إعمالا لتراتبية القيادة الحزبية الداخلية، مما أكد عدم الخروج عن الهيكل التنظيمي الفائز؛
- مرحلة التثبيت والاطراد (2021) جاء تعيين عزيز أخنوش، بصفته رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر، ليعزز استمرارية السلوك المؤسساتي، وينقل الممارسة من مرحلة التجريب إلى مرحلة التكرار الهادئ والمستقر؛
- محك الملاءمة والتكيف التنظيمي (سبتمبر 2026) شكلت الانتخابات التشريعية الأخيرة لعام سبتمبر 2026 الاختبار الأبرز لمرونة هذا العرف ونضجه؛ فمع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الذي تعتمد بنيته القيادية على نموذج “الأمانة العامة الجماعية”، اتجه التعيين الملكي نحو السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بصفتها المنسقة الوطنية للأمانة والوجه القيادي الأبرز. ويُفسَّر هذا الإجراء بأنه “تأويل ديمقراطي مرن” يتكيف مع الخصوصية التنظيمية للحزب الفائز، بما يحترم إرادته الداخلية ونتائج صناديق الاقتراع، مما يثبت أن العرف يتجه دائما نحو “الشخصية المحورية الأولى” في الحزب مهما اختلفت مسمياتها التنظيمية.
- أطروحة العادة السياسية
في المقابل، يطرح تيار نقدي قراءة مغايرة تحاول تجريد هذا المسار من صفته “العرفية الإلزامية”، وتصنفه ضمن خانة “العادات أو الممارسات السياسية” (Mœurs politiques) القابلة للتغير والمحكومة بالبراغماتية. وينطلق هذا الطرح من تفكيك نازلة 2017؛ حيث يُنظر إلى إعفاء الأمين العام وتعيين شخصية ثانية كدليل على انكسار ركن الاطراد عند أول أزمة سياسية. كما يرى هذا الاتجاه أن نازلة سبتمبر 2026 وتعيين منسقة الأمانة الجماعية يعكس اتساع السلطة التقديرية للملك بموجب الفصل 42 كحكم أسمى، حيث تتحرك المؤسسة الملكية بناء على المعطيات الواقعية وتسهيل تشكيل الحكومة، مستندين إلى فكرة أن خمسة عشر عاما (أربع محطات انتخابية) تُعد فترة زمنية غير كافية تاريخيا لبلورة عرف دستوري مستقر.
تأسيسا على هذا السجال الفقهي، يمكن صياغة الخلاصات المستنتجة من تفعيل الفصل 47 في مستويين تحليليين ينتصران لمنطق المأسسة الديمقراطية:
- أولا: من العادة العابرة إلى القاعدة المفسِّرة: إن القول بأن الممارسة الحالية مجرد “عادة سياسية” يغفل طبيعة التطور الدستوري المغربي؛ فالتعيين المتكرر لقيادات الأحزاب المتصدرة قد استجمع، وبشكل ملموس، مقومات الركنين المادي والمعنوي. إذ انتقل السلوك المؤسساتي من دائرة “الملائمة السياسية” إلى مرتبة القاعدة العرفية المفسرة لروح الدستور؛ حيث أصبح الفاعلون السياسيون والمحيط الفقهي والشارع الانتخابي يشعرون بنوع من “الإلزامية الديمقراطية” التي تجعل تعيين شخصية غريبة عن القيادة الأولى للحزب الفائز بمثابة ارتداد عن المنهجية الديمقراطية؛
- ثانيا: المرونة التنظيمية كدليل على نضج العرف: أوضحت النازلة السياسية لسنة 2026 (تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري) أن العرف الدستوري المغربي ليس قيدا إجرائيا جامدا يعيق حركة المؤسسات، بل هو قاعدة حية تتسم بالمرونة والتكيف البنيوي. إن التكيف مع الهياكل القيادية غير التقليدية للأحزاب (كالقيادة الجماعية) أثبت أن جوهر العرف يكمن في احترام “الشرعية الانتخابية” وتجسيد الإرادة الحزبية الحقيقية، وليس فرض قوالب صياغية موحدة.
في المحصلة، يكشف التفاعل المؤسساتي حول الفصل 47 أن النصوص الدستورية المكتوبة تكتفي برسم الأطر السيادية العامة، في حين تظل الممارسة السياسية الرشيدة هي التي تمنح الفصول كينونتها الحركية. إن هذا التراكم المؤسساتي، بموازاته بين حرفية النص ومرونة التأويل الواقعي، يعكس انتقالا حتميا نحو مأسسة العرف الدستوري كضمانة كبرى لسمو الخيار الديمقراطي بالمملكة؛ فثنائية “النص” و”الممارسة” لم تعد تقدم إجابات هلامية، بل باتت تؤصل لعرف دستوري مغربي، يربط صناديق الاقتراع بالسلطة التنفيذية، ويحصن التداول الديمقراطي ضد أي تأويلات تراجعية.

طارق لحرش
دكتور في القانون العام وعلم السياسة، وباحث مهتم بقضايا القانون الدستوري، والحكامة، وتقييم السياسات العمومية، والإصلاحات التشريعية. له عدد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكمة، وشارك في ندوات ومؤتمرات علمية ذات صلة بتخصصه.
Holds a Ph.D. in Public Law and Political Science. His research focuses on constitutional law, governance, public policy evaluation, and legislative reforms. He has published several peer-reviewed academic studies and has participated in national and international conferences and scholarly seminars in his field of expertise.