العقل بين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي – دراسة تحليلية نقدية

Abstract:

Our thesis, entitled: The Mind between Muhammad Abed Al-Jabiri and Abdullah laroui, is a critical analytical study, aims to look at the way both Al-Jabiri and Al-Araoui addressed the question of the mind in modern and contemporary Arab thought, in light of the contemporary perception of the mind, starting from the claim that Al-Jabiri aimed to build the theoretical mind in contemporary Arab thought, while Laroui sought to build practical mind. On the basis that the first considers that the progress of current Arab societies depends on criticizing the Arab mind as it has been historically practiced, and pushing it to critically review its theoretical mechanisms. Emphasizing that the strength of the contemporary mind lies in the self-criticism it underwent, which resulted in the renewal of its mechanisms. The second (Laroui) focuses on criticizing the “Arab mind” trying to raise the paradoxes involved in practical reason in Islam. Focusing on the reasons that made the mind in Arab-Islamic contexts remains imprisoned in the logic of nouns without being open to the logic of verbs. On the basis that the strength of the contemporary mind, according to Laroui, is rationality and action, and nouns are subsequent to verbs and not the other way around. As much as the thesis emphasizes the importance of the projects of both Al-Jabiri and Laroui it also emphasizes the necessity of mastering the relationship between the theoretical and practical mind in Arab thought, because there is no effective and efficient practical mind without a strong theoretical one, and the opposite is also true. This thesis ends by emphasizing that it is necessary to get rid of writing by reference from Arab thought, in order to achieve self-independence. Because according to Al-Jabiri and Laroui, the mind in its highest advanced form is the Western mind; Which made them write by reference and based on a previous model, despite their emphasis on the autonomy of the Arab entity. However, writing by reference deepens dependency, not only at the practical technical level, but also at the level of theoretical thinking. Therefore, in this thesis, we emphasized the importance of criticism and consideration of the mind in order to activate and liberate mental efficiency, and to follow the adventures of the mind in the topics presented to it, far from any standard mind or rationality, based on the universality of the mind and the multiplicity of its paths in different societies, according to their intellectual history and their current reality.

Keys words: mind – practical mind – theoretical mind – rationality – contemporary mind.


           تم يومه الجمعة 26 فبراير 2024 على الساعة الثالثة زوالا، مناقشة أطروحة الباحث ياسين اغلالو لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، من جامعة ابن طفيل كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة – المملكة المغربية. في موضوع: العقل بين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي – دراسة تحليلية نقدية. وذلك تحت اشراف الأستاذ الباحث محمد أبلاغ، وبحضور لجنة علمية ضمت كل من: الأستاذ أحمد الفرحان عن جامعة ابن طفيل رئيسا، والأستاذ محمد لشقر عن جامعة مولاي إسماعيل مكناس مقررا، والأستاذ حاتم أمزيل عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس مقررا، والأستاذ مولاي رشيد بن السيد عن جامعة ابن طفيل مقررا، والأستاذ يوسف العماري عن جامعة عبد المالك السعدي فاحصا، والأستاذ محمد بن لمقدم عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاحصا.  

       أكد الباحث أنه عمل في أطروحته على دراسة مشروعين فكريين مغربيين هامين، يقصد مشروع نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري والمشروع التاريخي والمفاهيمي للمؤرخ والمفكر عبد الله العروي. على أساس أنهما ينطلقان في تحليلهما ومناقشاتهما للعقل العربي من مكتسبات العقل المعاصر، وما توفره العلومُ المعاصرةُ، في محاولةٍ لتأسيسِ العقلِ العربيِ على قواعدَ متينةٍ نظريا وعمليا. محاولين استئنافَ النظرِ في السؤالِ التاريخي الذي رُفع مع رواد النهضة العربية، والمستمرِ إلى اليوم، هذا السؤالُ الذي يتعلقُ بأسباب تقدم الغرب وتأخر الشرق؟ والذي عالجه الجابري من مدخل نظري بالأساس؛ متسائلا عن الأسباب التي جعلت الآلياتِ المعرفيةَ التي تَحكمُ العقلَ العربي، لا تتغير بشكل تمكنه من تحقيق ما تحقق في الغرب خلالَ عصرِ النهضة والعصر الحديث؟ أما العروي وإن كان يشترك مع الجابري في الانشغال نفسِهِ، أي سبلُ النهضة والحداثة، فهو ينظر إلى سؤالِ التقدمِ والتأخرِ بالتركيز على العقل العملي؛ على أساسِ أن مفهومَ العقلِ في السياق الغربي الحديث والمعاصر ينطوي في جوهره على منطقٍ جديدٍ في العمل والفعل. خصوصا وأن العروي ينطلق من سؤالٍ مركزيٍ؛ يتعلق بالأسباب التي جعلت العقلَ العربيَ يبقى سجين منطقِ الاسمِ ولم ينفتحْ على النظر في منطقِ الفعلِ؟

       فبعدما وقفا كل من الجابري والعروي على التصورات الجديدة للعقلِ؛ وكيف صار العقلُ في السياق الغربي الحديث والمعاصر يتخذ دلالةً حيويةً، تؤكدُ فعاليتَهُ الحرةَ والمبدعَةَ، وقدرتَهُ على سبر أغوار الطبيعة واقتحامِ عوالمَ المجهولِ. وقَفَا في المقابل على التعامُلِ “العفويِ” و”المطلقِ” الذي يُؤخذ به العقلُ من داخل السياقات العربية الإسلامية عبر التاريخ؛ بحيث يرفع الجميعُ شعارَ “العقلِ” دون تحديدِ الدلالَةِ التي يؤخذُ بها. وبالتالي فهما مشروعان فَطِنا إلى أنه لا يمكن للمجتمعات العربية الإسلامية أن تحقق ما تطمح إليه من تقدمٍ، ولا يمكنها الخروجُ من تأخرهَا التاريخي، إلا بنقد العقل. على أساسِ أن هذا الأخيرَ خضعَ في السياقِ الغربي لمجموعةٍ من العملياتِ الجراحيةِ النقدية، التي جعلت العقلَ يجددُ آلياتهِ وممارساتهِ، والتي بفضلها تم تفسيرُ سِرِ التقدمِ الذي توجد عليه بعض المجتمعات اليومَ، مثلما أن غيابَها عند المجتمعات الأخرى يفسر حالَةَ التأخر والجمودِ. وعليه، فنقدُ العقلِ من داخل الفكرِ العربي الحديث والمعاصر هو في عمقه نظرٌ في أسباب التأخر التاريخي لهذه المجتمعات؛ وذلك بعدما استفاقتْ هذه الأخيرةُ على واقعِ الفواتِ التاريخي، الذي كشف عنه الآخرُ “المتقدمُ” الذي راح يفرض ذاته بالقوة “الاستعمار”، معلنا عن واقعٍ جديدٍ ينطوي في الوقت نفسه على عقلٍ جديدٍ، سواء على مستوى النظر أو العمل.

      في هذا السياق تم الانتباهُ إلى ضرورةِ إخضاعِ الثقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ إلى مراجعةٍ شاملةٍ، خصوصا بعد توالي الهزائمِ التي لحقتِ الشعوبَ العربيةَ خلال العصر الحديث والمعاصر. مراجعةٍ لا تستهدف المضامين المعرفيةَ السائدة فحسب، بل أيضا الأداةَ المنتجَةَ لهذه المضامينِ (العقل). خصوصا أن رواد النهضة العربية قاربوا هذا الإشكالَ بطرقٍ متعددةٍ، دون الانتباهٍ الى ضرورةِ نقدِ العقلِ، وآلياتِهِ المعرفيةِ التي لم تعد تلائِمُ مستجداتِ العصرِ مثلما أكد الباحث في عرضه. فالتأخرُ التاريخِيُ الذي تعيشه المجتمعاتُ العربية، يعود بالأساس إلى أنها حاولت بناء نهضتِها بعقل تقليديٍ؛ عقلٍ عقيمٍ، وغيرِ منتجٍ، لم يقم بمراجعةِ آلياتهِ في النظر والعمل.

      ولتحديد موضوعه بشكل أدقٍ أكد الباحث أنه توجه إلى مشروعِ الجابري خصوصا في كتابه “تكوين العقل العربي”، مع الانفتاح على أعماله الأخرى متى دعت الضرورة إلى ذلك؛ بغية فحص الطريقةِ التي طبق بها الجابري تصورَهُ للعقلِ المعاصرِ في نقد العقلِ العربي؟ ومدى مشروعيةِ القولِ بعقلٍ عربي خاص في سياق المكتسبات العلمية المعاصرة؟ وحدودِ اعتبار كتابِه الأساسِ تكوين العقل العربي، ومعه بقيةُ الأجزاءِ الأخرى المشكلةِ لمشروعه، نقدا للعقلِ العربي بالمطلقِ، أم أنها بحثٌ في الأنظمةِ المعرفيةِ من داخل السياقاتِ العربية والإسلامية، ومحاولةٌ لكتابةِ تاريخِ هذه الأنظمةِ المعرفية وفق مقاربة إبيستمولوجية وإديولوجية، أكثرَ منها مقاربةً إبيستمولوجيةً خالصةً مثلما أكد الجابري؟ هذه الأسئلة التي عالجها الباحث مثلما أكد على ضوء سؤالٍ أساسٍ يتعلق: بمدى جدارةِ المقاربةِ الإبيستمولوجيةِ التي يؤكد عليها الجابري في الكشف عن أسباب تقديم العقلِ العربيِ استقالتَهُ، أم أن الأسبَابَ التي قادت إلى جمودِ العقلِ في السياقات العربية الإسلامية هي بالأساسِ من طبيعةٍ إيديولوجيةٍ بقدر ما هي معرفيةٌ محض؟ 

       وأكد الباحث في عرضه أن بحثه ركز على الطريقَةِ التي طبق بها العروي تصورَهُ للعقلِ المعاصر، ونظرَهٌ في العقل العربي؟ منطلقين في هذا السياق من فكرة كون عمل العروي الأساس في العقل مفهوم العقل – مقالة في المفارقات هو في عمقه بحثٌ في العقلِ العملي الإسلاميِ؛ بحيث لا يستمد عنوانٌ الكتابِ مشروعيتَهُ إلا في سياقِ سلسلةِ المفاهيمِ التي ألفها العروي، وإلا لجاء العنوانُ بدون معنى، ما لم نركزْ على جزءٍ من الكتابِ الذي يؤكد فيه العروي أنه بصدد النظر في “علم المفاهيم”. هذا الأخير الذي يروم عبره العروي تصحِيحَ الطريقةِ التي يتعاطى بها الفكرُ العربي الحديثُ والمعاصرُ مع المفاهيم.

       وأكد الباحث أن بحثه يقوم على دعوى تتعلق بمحاولات الجابري التأسِيسَ للعقل النظري من داخل الفكر العربي المعاصر، في مقابل المنحى العملي للعروي ومحاولاتهِ التأسِيسَ للعقلِ العملي. على أساس أن الأول يرى الثورةَ الحقيقيةَ للعصرِ الحديثِ والمعاصرِ تتجلى في قوةِ العقلِ النظري، بينما يرى العروي أن مفهوم العقلِ لا يستمدُ دلالتَهُ إلا بالنظرِ إلى الواقع العملي الذي يحيل عليه. مؤكدين في الأخيرِ على أنه لا وجود لعقل عملي قوي بدون عقل نظري قوي، والعكس يصح أيضا. 

     وبما أن مقاربَتَه منهجيةٌ تتجهُ بالأساس إلى آليات النظر، فإنه ركز كمقدمةٍ لعمله مثلما صرح الباحث، على إبراز ما يميز طريقَةَ اشتغالِ الجابري والعروي في مشروعهما مُقارنَةً مع المشاريعِ الفكريةِ السابقةِ عليهما، التي تناولتِ التراثَ العربيَ الإسلاميَ، هذه المشاريعِ التي حَكَمَتْهَا ثنائيةُ التقدم والتأخر، أي تخلفُنَا نحنُ عن الأممِ الأخرَى وخصوصا الغربَ المجاورَ لنا. مؤكدا أنه عمل على إبرازَ تلك القطيعةَ المنهجيةَ مع تلك المشاريعِ التي تعاني في نظر المفكر محمد عابد الجابري من نقصٍ أساسيٍ يتجلى في كونها تفتقد من ناحيةِ المنهجِ إلى “الحد الأدنى من الموضوعية، ومن ناحية الرؤية، فهي تعاني كُلُهَا من غياب النظرة التاريخية”. بحيث عادت إلى التراث لتبحث فيه عن إجابات لهمومها المعاصرة، دون النظرِ في شروط الاستعادةِ التي تعمل عليها، خصوصا وأنها مشاريعٌ مؤطرَةٌ برؤَى وخلفياتٍ إيديولوجيةٍ، تبحث في التراث عما يلائمُهَا. وسواء تعلق الأمرُ بالمنهج التاريخي مع مدرسة مصطفى عبد الرازق وتلامذتِهِ، أو بالمنهج المادي التاريخي، فإن الأمر يتعلق بقراءةٍ تجزيئيةٍ مُوَجهَةٍ؛ تركز على جزء من التراثِ، استجابةً لحاجاتٍ معينةٍ مثلما يؤكد الجابري. في حين أن التراث العربي الإسلامي هو كلٌ متكاملٌ. الأمر الذي يعني أن الجابري وجد نفسه أمام مناهج تقرأ التراث قراءة سلفيةً، والاختلافُ فقط في نوع السلف. علاوة على كونها مناهجَ تقرأ التراثَ من الخارجِ، بشكل يستجيب لرؤًى إيديولوجيةٍ محددةٍ مسبقًا. وهو الأمر الذي دفع به إلى بلورة خطة للانفلات من مأزقِ القراءاتِ السابقةِ، متخذا خيارَ النقدِ الإيبستمولوجي؛ فخلافا للمألوف نجد الجابري يؤكد على أن ما سيهتم به “ليس الأفكارَ ذاتَها، بل الأدَاةَ المنتجَةَ لهذه الأفكارِ”. وقد تعرض الجابري للكثير من الانتقادات بسبب توظيفه لمفهوم العقل العربي، بسبب كونية العقل، وهو ما يجعل الإحاطَةَ به صعبةً لكثرةِ ما قيل فيه، لذلك كل ما يمكن قوله هنا، هو أنه حاول الوقوفَ عندَ تشكلِ البنيةِ الذهنيةِ لمجموعة بشريةٍ هي المجتمعاتُ العربيةُ، راصدا طريقَةَ تكوينِ هذا “العقلِ” ومسارِهِ التاريخِيِ إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من تخلف وانحطاط.

       وقد انتهي الباحث فيما يتعلق بإشكالية حد الجابري للعقل العربي إلى خلاصة مفادها: أن الإنسان العربي يفتقد إلى الروح النقديةِ، وإلا لما كان مشروعُه الجابري النقدي ممكنا. فالعقلُ من منظوره يتحدد انطلاقا من نظام الثقافة السائدةِ، وذلك النظامُ هو الذي يحدُ العقلَ ويعطيه هويتَه المتميزةَ عن باقي “العقول”. فالعقلُ خاصٌ بثقافةٍ معينةٍ وواحدٌ عند كافة أفراد هذه الثقافة، وهو يبقى كذلك ويحُدُهم ما داموا كما يقول الجابري لم يكتسبوا “الروحَ النقديةَ” من داخل مدرسة المؤرخين والفلاسفة”. مما يعني أنه بإمكان الأفرادِ أن يتحرروا من هيمنة العقلِ المكوَّنِ الذي ينزل منزلةَ المطلقِ. وهذا أمر بقي في عالم الإمكان في نظر الجابري، الذي أكد أن الزمانَ الثقافيَ العربيَ بقي هو هو، بقي ممتدا على بساطٍ واحدٍ من نهاية عصر التدوين … إلى أيامنا هذه. مؤكدا أن العقلَ من داخل نظام الثقافة الإغريقية – الأوربية هو ثنائيُ القيمِ، يرتبط فيه العقلُ بالطبيعةِ، ومنه قدرةُ العقلِ على تفسيرهَا. بينما في الثقافة العربيةِ فإن البنيةَ المعرفيةَ اللاشعوريةَ التي ظلت تحكمُ فعاليتَهَ تاريخيا هي ثلاثيةُ القيم: فنجد اللهَ والانسانَ والطبيعةَ، والتي يختزلها التراثُ العربيُ في العلاقةِ بين اللهِ والانسان.

       انتهى الباحث إلى خلاصة مفادها: أن عقل التقدم بالنسبة للجابري هو العقل كما تشكل في اليونان وأوروبا الحديثة والمعاصرة، وبذلك فدراسةُ أسبابِ تخلفنَا هي في الحقيقةِ دراسةٌ لعوائقِ أو لغيابِ هذا النوع من العقلِ في فكرنا وثقافتِنَا العربيةِ الإسلاميةِ الماضيةِ والحاضرةِ. وهو ما يتطلب نقاشا واسعا، أكد أنه تطرق إلى جانب منه في أطروحتِه.

         إذا كان الجابري قد رام التأسيسَ للعقلِ النظريِ من داخل الفكرِ العربيِ المعاصر، فإن العروي مثلما أكد الباحث قد رام التأسيسَ للعقلِ العمليِ في الفكرِ العربيِ موضحا الأسبقيةَ المنطقيةَ لهذا الأخيرِ على العقلِ النظري. بحيث إذا كان التفكير السليمُ يقتضي الانطلاق من الواقع لبلورة أي مشروعٍ إصلاحي، فإن العقلَ العربيَ قد استعاضَ عن واقعِهِ بواقعٍ آخرَ، معتقدا أن إشكاليةَ التأخرِ التاريخيِ التي تعرفهَا المجتمعاتُ العربيةُ الإسلاميةُ هي إشكاليةٌ نظريةٌ، ويكفي حلهَا على المستوى الفكريِ لنرى الواقعَ يتحرك من تلقاء ذاته لتختفي كلُ المشاكلِ. في حين أن إشكاليةَ الحداثةِ بالنسبة للمفكر عبد الله العروي هي إشكاليةٌ عمليةٌ قبل أن تكون نظريةً، وهذا هو الانتقادُ المركزيٌ الذي يوجهه العروي للعقلِ العربي الحديثِ والمعاصر. الأمر الذي يعني أن العقلَ العربيَ يجب أن يتسلح بالوعي النقدي حتى يتخلص من الذرائعيةِ والبراغماتيةِ التي يفرضهما عليه واقعُ الحال. وبما أن الوقت لا يسمح بالتفصيل في هذا القول مثلما أكد الباحث، لهذا نجده اكتفى بعرض الخلاصة التي وصل إليها العروي في تتبعه لنظرية العقل في الإسلام، سواء في بعده النظري مع المعتزلةِ أو بعده العملي مع ابن خلدون. وهي خلاصة مفادها أن الثقافةَ العربيةَ لم تكن في حقيقةِ الأمرِ ثقافةَ عقلٍ، لأن العقلَ الذي تحتفي به كما يقول العروي هو عبارةٌ عن وعاءٍ، تتحدد مهمتُه في أن يعقل المطلقَ، هذا الأخيرَ الذي يُعد سابقا على كل عقلٍ، وأي فعاليةٍ تتخطى المستوى اللاهوتيِ، فهي خاصةٌ بصاحبِهَا ولم تؤثر في نظرية المسلمين للعقلِ. فالثقافةُ العربيةُ الإسلاميةُ هي ثقافة نصٍ، والفعاليةُ العقليةُ تبدأُ وتنتهي عند هذا النص. هذا الأخير الذي يقول عنه العروي إنه يحدُ العقلَ والكونَ معاً، وأن النظرَ في النص يُغني عن النظرِ في الوجودِ. لقد ظل العقلُ من داخل الإسلام محصورا ومحدودا بحدود المعقولِ، وإن تنوعتِ أشكالُهُ فهو ينزل عند أصحابه منزلةَ المطلقِ. الأمرُ الذي جعل العقلَ في الإسلامِ عقلا لا تاريخيا، عاجزا عن عقل الزمان، بمعنى التطور.

 وفي الأخير وكخلاصة نقدية للمشروعين معا، أكد الباحث على ما يلي:

إن العروي والجابري ينطلقان من عقلانية معيارية تجعل الغرب معيارا للتقدم، ومع ذلك فالفكرةَ الأساسيةَ التي تبقى وتدوم هي دعوتُهُمَا الى إعمالِ العقلِ وتفعيلِ فعاليتِهِ. الأمرُ الذي يسمح لنا بالحديث عن عقلانيةٍ فرديةٍ، قبل تمييزِ تلك العقلانيةِ المعياريةِ الصالحةِ لسير المجتمع. على أن العقلانيةَ المعياريةَ تجعلنا ننظر إلى الفعاليات العقليةِ المتنوعةِ بشكل قطاعيٍ، وكأنها جزُرٌ منعزِلَةٌ، في حين أنها فعالياتٌ تعبر عن الأبعاد الإنسانيةِ المتعددةِ. خصوصا وأن تركيبَةَ الإنسان يتجاذبُهَا ما هو روحيٌ، وعقليٌ، وعاطفيٌ ووجدانيٌ…الخ. مثلما أن عمليةَ إنتاجِ المعرفةِ هي عمليةٌ معقدةٌ تتحكمُ فيها أبعادٌ كثيرةٌ، وسؤالُ التأخرِ التاريخيٍ هو سؤالٌ مركبٌ يخضع فعلا لأمورٍ ذاتيةٍ متعلقةٍ بطبيعةِ الفعاليةِ العقليةِ، مثلما تتدخل فيه شروطٌ حضاريةٌ، إجتماعيةٌ وسياسيةٌ وسيكولوجيةٌ…الخ. في هذا السياق لا يمكن أن نجزأَ الإنسانَ مثلما أكد الباحث، ونقيمَ جُزراً من ضروبِ العقلانيةِ واللاعقلانيةِ في داخله بشكل صارمٍ ومطلقٍ، بعيدا عن الواقعِ والتاريخِ. وهذا ما تؤكد عليه الدراسات المعاصرة التي أعادت طرح سؤالِ: ما العقلُ؟ على ضوء التطوراتِ العلمية المعاصرة، التي تروم فهمَ تأثيرِ جوانبَ كثيرةٍ؛ عاطفيةٍ وروحيةٍ… في صناعة وتشكل الأفكارِ، وتسييرِ وتنظيمِ الوجودِ الاجتماعي للناس. بحيث لم يعد العقلُ ذلك الشبحَ في الآلة بتعبير الفيلسوف جيلبرت رايل، بل صار قابلا للدراسة والقياسِ. مثلما أن العقلانيةَ المعياريةَ تجعل العقلَ دخيلاً على الحضارةِ العربيةِ؛ خصوصا إذا كنا لا ننطلق من قراءةٍ كونيةٍ للفكر الإنساني. وهذه القضيةُ نجدها باهتَةً إن لم نقل إنها غائبَةٌ في مشروع كل من الجابري والعروي مثلما أكد الباحث ياسين اغلالو في أطروحته؛ بحيث لم تظهر عندهما المرحلةُ العربيةُ الإسلاميةُ خلال العصر الوسيط مرحلةً مُؤسِّسةً وضروريةً في تاريخ الفكر البشري، بل جاءت معزُولةً وغَيرَ مؤهلَةٍ للمساهَمةِ في العقل الحديث والمعاصر. ويعودُ هذا الأمر إلى تركيزِ الجابري والعروي على العقل في معالجتهما لسؤال التأخر، ذلك العقلُ الذي يُعد النموذجَ الوحيدَ له هو العقلُ كما تشكل في أوروبا، والذي لم يجدَا له أثرًا بالغا في الحضارة العربية الإسلامية. أما إشكالية التقدم والتأخر التي يحيل عليها ويتحرك من داخلها الفكر العربي الحديث والمعاصر؛ بقدر ما هي مرتبطة بشروط إنتاج المعرفة، وبالأدوات المعرفية للعقل، وطبيعَةِ المواضيعِ التي تعاملَ معها ذلك العقل، بقدر ما هي أيضا إشكاليةٌ ثقافيةٌ واجتماعيةٌ وسياسيةٌ…الخ. الأمرُ الذي يعني في نظر الباحث ياسين اغلالو أنه بالإضافة إلى النقدِ الإبستمولوجيِ والنقدِ الاجتماعيِ للعقلِ، يجب أيضا التركيزُ على النقدِ الثقافي، والأنتروبولوجي، والبسيكولوجي، والجمالي… الخ. فالكتابَةُ بالإحالةِ وفقا لعقلٍ وعقلانيةٍ معياريةٍ، تعمقُ الإحساسَ بالتأخرِ ليس فقط واقعيا، بل أيضا على مستوى الفكرِ والوجدانِ. الأمر الذي يشلُ إرادةَ التفكير الحرِ والمستقلِ، ويعطلُ إرادةَ التغييرِ والفعلِ، ويشوشُ على فكرةِ التقدمِ. فتأتي المشاريعُ الفكريةُ التي تحاول التأسيسَ للإستقلالية الذاتية تابعةً، وتعمقُ من حيث لا تدري لعقلية التأخرِ ونفسيةِ التابعِ.

انتهت أطوار المناقشة بتدخلات اللجنة العلمية التي قدمت ايضاءات جديدة على الأطروحة المقدمة، ورصدت العديد من النقاط القوية في الأطروحة مثلما نبهت إلى بعض الأمور التي كان من الأفضل تطويرها وتجويدها. وقد تم التنويه بالأطروحة من طرف اللجنة، ومنحت للطالب ميزة مشرف جدا. مثلما تفاعل الباحث مع ملاحظات اللجنة العلمية الموقرة، موضحا الخيارات المنهجية التي تحكمت في بعض المفاهيم والمواقف الفلسفية.